مساحة إعلانية
منذ شهرٍ تقريبًا، صُدم الرأي العام بواقعة التلميذ الذي فقد عينه في نجع حمادي، واقعة موجعة لم تُغلق ملفاتها بعد، وما زالت التحقيقات جارية لتحديد ما إذا كان ما حدث خطأً غير مقصود أم اعتداءً فجًّا تجاوز كل الحدود. لكن بعيدًا عن تفاصيل التحقيق ومسؤوليات الجهات المعنية، تقف الحقيقة الأشد إيلامًا: طفلٌ دُفع ثمن غضب بالغٍ لم يُحسن السيطرة على يده ولا على لحظة انفعاله.
وهنا يتوقف القلم لا عند الواقعة وحدها، بل عند ثقافة ما زالت تتسلل إلى بعض المدارس، ثقافة “العصا” باعتبارها وسيلة تربية، وكأن الزمن لم يتغير، وكأن القوانين لم تُكتب، وكأن الطفل لم يعد طفلًا بل خصمًا يجب إخضاعه بالقوة.
أيها المعلم… حين تغضب، هل تتمالك نفسك؟
هل تفكر لحظة أن الضربة قد تخرج عن موضعها، وأن لحظة فقدان سيطرة قد تتحول إلى مأساة عمرها لا يُمحى؟
لقد وضعت الدولة قوانين واضحة للعقاب التربوي، عقابٌ ورقي أقوى أثرًا من أي عقاب جسدي، يحفظ هيبة التعليم دون أن يهدر كرامة الطفل، ويُقوِّم السلوك دون أن يكسر الجسد أو الروح. فلماذا يُهمل هذا المسار؟ ولماذا يُعطَّل دور الأخصائي الاجتماعي والنفسي، وهما الأجدر بفهم دوافع الطفل، ودراسة حالته، ومعالجة أزماته بعيدًا عن الضرب والإيذاء؟
الطفل، وفقًا لقانون حماية الطفل، هو كل من لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره، أي أن تلميذ المدرسة ـ في جميع مراحل التعليم ـ هو طفل تكفله الدولة بالقانون، وتُلزم المجتمع بحمايته لا بإيذائه. والاعتداء عليه، تحت أي مسمى، ليس تربية ولا تقويمًا، بل جريمة تُحمِّل صاحبها مسؤولية أخلاقية وقانونية لا مهرب منها.
نحن لا ننكر قسوة الأيام، ولا نُقلل من حجم الضغوط الواقعة على المعلم، ولا من مرارة الظروف المعيشية، لكن كل ذلك لا يبرر أن يتحول الطفل إلى مساحة لتفريغ الغضب، ولا أن يدفع ثمن أزمات لم يكن سببًا فيها. فالمعلم، قبل أن يكون ناقلًا للعلم، هو قدوة، وإن ضاعت القدوة ضاع الأمن داخل المدرسة.
إن مأساة تلميذ نجع حمادي ليست حادثة عابرة، بل جرس إنذار مدوٍّ، يطالب بمراجعة حقيقية لأساليب التعامل داخل المدارس، وتفعيل صارم للقانون، وحماية حقيقية للطفل من يدٍ غاضبة قد تُنهي مستقبله في لحظة.
فالعصا قد تسكت طفلًا، لكنها تصرخ ألما في ضمير التعليم كله.