مساحة إعلانية
حينما تضيق بك الأرض بما رحبت، وتظن في عتمة اللحظات أنك منسيّ في زحام هذا الكون، تنزل عليك الطمأنينة من فوق سبع سماوات لتزلزل روحك بحقيقة كبرى ، الله العظيم، جبار السماوات والأرض، يحبك أنت !
نعم ، ملك الملوك الغني عن العالمين، يلتفت إلى قلبك الخفي ويسمع أنينك في جوف الليل ، ليحيطك برأفة مدهشة وستر جميل ؛
وكأنك العبد الوحيد الذي يرعاه.
كيف لقلبٍ أدرك هذا الدفء الإلهي الباذخ ألّا يذوب حياءً وشوقاً؟
وكيف لروحٍ يغمرها خالقها بالقبول كلما تعثرت وزلت ألّا تهرع إليه؟
إن هذا الحب ليس مجرد أمنية، بل هو وعد حق تجسد في أروع حديث قدسي يقشعر له وجدان المؤمن، حيث يقول الله عز وجل: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ». فأي أمان مطلق في هذا الوجود يفوق أن يكون الله هو سمعك وبصرك وحصنك؟
لكن، واجه نفسك بصدق؛ كيف تدّعي الحُب والوفاء لمن حولك من البشر، وقلبك خاوٍ من محبة الخالق الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ أحبَّ ربك أولاً، وامْلأ قلبك بصدق الإنابة إليه قبل أن تنسج الأقنعة وتكذب على من حولك؛ فمن عجز عن صدق المحبة والخوف من الله، لن يعرف يوماً كيف يصدق مع خلقه.
إن حب الله هو الميزان الذي يضبط بوصلة مشاعرك ويطهر سريرتك من الزيف، وبغيره تصبح العواطف مجرد ادعاءات واهية.
وفي زمننا هذا، حيث انخلعت القلوب من إنسانيتها وهوت الفطرة البشرية إلى قاعٍ سحيق، نرى الموبقات تزكم الأنوف؛ زمن يستيقظ فيه الضمير على فاجعة نكراء لجدة تحقن حفيديها بـالكلور للتخلص منهما بدم بارد، وتتعرى فيه الأجساد والأنفس على مسارح "الترند" الرخيص، حيث تباع المبادئ والقيم من أجل حفنة مشاهدات زائفة.
وهنا يصرخ الوجدان ، كيف يستقيم هذا الانحطاط مع ادعاء محبة الله؟
إن الحقيقة العارية هي أن من امتدت يده بالأذى أو عرّى روحه للبشر، قد أفرغ قلبه من هيبة الخالق أولاً فماتت جوارحه.
فحب الله ليس شعاراً يُرفع بل هو أثر يورث الرحمة ويصون الفطرة، ومن استبدل الخضوع لرب العالمين بالخضوع لشهوة الشهرة رضا للمخلوقين، فقد تاه في دياجير الغفلة.
ولكي يخرج الإنسان من تيه هذا الزمان ويعود إلى رحاب صدق المحبة، لا بد له من وثبة روحية تبدأ أولاً بتطهير محراب القلب الداخلي؛ بالاعتراف بالتقصير والوقوف على عتبة الانكسار بين يدي الله، فالتوبة الصادقة هي أولى خطوات الوصل التي تغسل ران الذنوب وتجلي مرآة الروح لترى نور الحق مجدداً.
ثم يأتي بعد ذلك إلزام النفس بخلوة الذكر والمناجاة، بعيداً عن صخب منصات التواصل وضجيج الشاشات، ففي جوف الليل أو في سجدة خاشعة يتنفس المرء بذكر الله "ألا بذكر الله تطمئن القلوب"، وهناك يتعافى الفؤاد من لوثة البحث عن ثناء الناس. ويتعاظم هذا الحب وتستقيم بوصلته عبر المجاهدة بالعمل والتقرب بالنوافل، فيتحول الإيمان إلى سلوك يفيض رحمة على الأرض، كأن تمتد اليد بالخير لا بالأذى، وأن تصان الأنفس والبيوت بحياء حقيقي يبتغي رضا الخالق وحده، فمن ذاق طعم الطاعة الصادقة ترفعت نفسه تلقائياً عن الدناءة والموبقات.
وأخيراً، لن يستقيم حب الله في فؤادك ما لم تطلب صحبة الأخيار وتلتمس البيئة النقية التي تذكرك بربك إذا نسيت وتعينك إذا ذكرت، لتكون حارساً لفطرتك من الانتكاس وسط أمواج الفتن المتلاطمة.
قف هنا وافتح عين قلبك الباكية.. تأمل كم مرة عصينا واستترنا بجميل ستره فما فضحنا؟
وكم مرة جفونا وناديناه في كربنا فما خذلنا؟
إن أشد ما يبكي الروح ويقطع نياط الفؤاد هو هذا الخذلان البشري أمام الود الإلهي العظيم؛ إلهٌ غنيٌ عنا يتودد إلينا بنعمه ورحمته، وعبيدٌ فقراءٌ إليه نتبغض إليه بالمعاصي والجفاء وجري وراء زيف فاني.
غداً حين تُهتك الأستار وتُعرض السرائر، وتنطفئ أضواء الدنيا وشاشاتها، لن يبقى لك إلا هذا القلب الذي بين جنبيك،
فبأي وجه سنلقى من غمرنا بحبه وحنانه إذا أتيناه بقلوب منافقة غادرة خربتها الموبقات؟
يا رب، وعزتك وجلالك، لقد تاهت منا السبل، وتلوثت أرواحنا بزيف هذا الزمان، فامسح على قلوبنا برحمة من عندك ترشدنا بها إليك، وخذ بأيدينا من مستنقع الغفلة والخداع إلى حياض أنسك وطاعتك، واجعل آخر زفراتنا في هذه الدنيا شهادة صدق تنبض
بـ "يا رب، إني أحبك فأحبني، واقبلني على ما كان مني برحمتك يا أرحم الراحمين