مساحة إعلانية
في الثامن من ديسمبر عام ٢٠٢٥، أعلنت وزارة الثقافة اختيار محافظة شمال سيناء عاصمة للثقافة المصرية لعام ٢٠٢٦، وذلك في مدينة العريش، إحدى أهم المدن المطلة على البحر المتوسط، والتي تضم العديد من المناطق السياحية والأثرية، لتكون أيضًا مقرًا لاستضافة مؤتمر أدباء مصر.
ووفقًا للهيئة العامة للاستعلامات، فقد تم اعتماد فكرة “عاصمة الثقافة المصرية” منذ عام ٢٠١٩ خلال فعاليات مؤتمر أدباء مصر، بهدف تنشيط الحركة الثقافية في المحافظات، وتشجيعها على استضافة الفعاليات الثقافية الكبرى، وكسر المركزية الثقافية، وإتاحة الفرصة لاكتشاف الطاقات الإبداعية في مختلف ربوع الوطن.
وقد تم اختيار مدينة مطروح كأول عاصمة للثقافة المصرية، تلتها مدن: بورسعيد، الوادي الجديد، الأقصر، ثم المنيا، في إطار تداول هذا اللقب بين المحافظات.
ويأتي اختيار محافظة شمال سيناء تتويجًا لرؤية وزارة الثقافة المصرية الهادفة إلى تعزيز الهوية الوطنية الأصيلة، ودعم الأنشطة الثقافية والفنية، ودمج سيناء الحبيبة في الجسد الثقافي المصري الواحد، وتسليط الضوء على دورها التاريخي والثقافي، خاصة بعد ما شهدته من جهود تنموية وإعمارية واسعة في عهد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وذلك بعد سنوات طويلة ظلت فيها المحافظة خارج دائرة الضوء، تعاني عزلة ثقافية فرضتها ظروف وأبعاد متعددة.
أما قاهرة المعز لدين الله، والتي تُعد معقلًا أصيلًا من معاقل التراث والثقافة المصرية، فقد ظلت لعقود طويلة عاصمة الثقافة المصرية الفعلية، وإن كان ذلك بشكل غير رسمي، نظرًا لما تمتلكه من مقومات ثقافية كبرى؛ فعلى أرضها تُقام أهم المهرجانات السينمائية، والعروض المسرحية، والفعاليات الثقافية الكبرى.
وقد تم اختيار القاهرة من قبل منظمة الإيسيسكو عام ٢٠٢٢ عاصمة للثقافة في العالم الإسلامي، وقبلها في عام ١٩٩٦ تم اعتمادها كأول “عاصمة للثقافة العربية” في مصر والعالم العربي.
واللافت في فكرة “عاصمة الثقافة المصرية” هو تداولها بين محافظات الجمهورية كافة، لما لذلك من أثر بالغ في تنمية القدرات والمهارات الإبداعية لأبناء كل محافظة في مختلف المجالات الفنية، وتنمية المواهب، ودعم الحرف التراثية واليدوية، وإقامة الصالونات الأدبية، وتشجيع إنشاء البنية التحتية الثقافية، بما يسهم في نشر الثقافة، واكتشاف الطاقات الإبداعية، ومواجهة التحديات التي قد تعوق المسيرة الثقافية.
ومن هذا المنطلق، أتوقف عند محافظة البحيرة، مسقط رأسي، بما تحمله من ثقل تاريخي وثقافي عريق، ومعالم أثرية ومقومات تؤهلها، وأتمنى أن تحظى بهذا الشرف في المستقبل القريب.
فمحافظة البحيرة تجمع بين خضرة الأرض، وملح البحر، وعمق التاريخ، وبساطة الإنسان. وتنطلق الرؤية الثقافية فيها ليس فقط من كونها حاضنة للهوية المصرية الأصيلة، بل من كونها نقطة التقاء فريدة؛ حيث تتجاور الزراعة كفعل حضاري ممتد منذ القدم، مع موقع جغرافي مميز يشكل جسرًا بين الداخل والساحل، ومع التاريخ بوصفه ذاكرة حية، والإنسان بوصفه صانعًا للثقافة لا مجرد متلقٍ لها.
وعند الحديث عن البحيرة، تبرز ذاكرة التاريخ في حجر رشيد، وفي مدينة رشيد الزاخرة بالتراث والهوية الوطنية، بما تمتلكه من إرث حضاري وتاريخي كبير يؤهلها لتكون مركزًا للحوار الثقافي، حيث يلتقي البحر بالنهر، فتتمازج ثقافاتهما في مشهد فريد.
أما الإنسان البحراوي، فيتميز بقدرته على الابتكار والإبداع والتحدي والمثابرة، وبما يحمله من جينات أصيلة وقدرة فطرية على الحكي والتذوق الفني، فهو بطبعه عاشق للثقافة وصانع لها، لا متلقٍ سلبيًا.
كما أن محافظة البحيرة هي مسقط رأس العديد من الشخصيات الفكرية والأدبية والسياسية البارزة، من أبرزهم:
العالم الدكتور أحمد زويل، والأديب العالمي توفيق الحكيم، والمفكر عبد الوهاب المسيري، والمشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، والإمام محمد عبده.
وشأنها شأن العديد من المحافظات التي ابتعدت طويلًا عن الأضواء، تواجه البحيرة تحديات ثقافية متعددة، لن تُذلل إلا عبر استضافة مثل هذه الفعاليات الكبرى، القادرة على إحداث نقلة نوعية حقيقية.
ونأمل أن تحظى محافظة البحيرة، مثل غيرها من المحافظات، بهذا الحدث الثقافي المهم، لما له من تأثير بالغ في مسيرتها الثقافية والحضارية، وتأكيد مكانتها كمدينة محورية على خريطة الثقافة المصرية