مساحة إعلانية
د. آدينه أحمد سعيد زاده
أستاذ بجامعة طاجيكستان القومية
لقد وجّه أفلاطون نقدًا لاذعًا إلى أبناء وطنه، قائلاً إنّ الأثينيين، بدلًا من أن يُكمّلوا أخلاقهم وآدابهم ويهذّبوا عالمهم الباطني، أخذوا يسيرون في طريق السعي وراء المصالح والنزعة إلى العظمة. وإنّ مثل هذا السلوك قد يؤدّي إلى ظهور ظواهر سياسية وروحية غير مرغوب فيها وذات طابع مأساوي لدى الإغريق.إنّ في أقوال فيلسوف اليونان القديم حكمةً عظيمةً كامنة؛ إذ إنّ الفيلسوف يريد أن يُنبّه أبناء وطنه إلى أنّ من أبرز العوائق والتناقضات الأساسية التي يواجهها الإنسان في طريقه إلى تحقيق الوحدة والتماسك في المجتمع الإنساني.
يدرك كلُّ فردٍ عاديٍّ إدراكًا جيّدًا كيف أنّه في عصر العلم والتقنية، ومع كشف أسرار الكون والإنسان، أصبح تيّارُ الانحلال الأخلاقي يُعتمُ عقولَ الناس وأرواحهم ويُفقِدها صفاءها، في حين يُبرز السلوكَ الإجراميّ ويجعله أكثر وضوحًا وانتشارًا. فكلَّ يومٍ، ومن خلال وسائل الإعلام والإنترنت، تتدفّق دون عائق مظاهرُ الانحراف الأخلاقي، والدعارة، وإطلاق النار، والتفجيرات، وعمليات أخذ الرهائن على الناس.
جاء في مطلع المقال: إنّ المجتمع الإنساني، إلى جانب القوانين والهياكل المرتبطة بإدارته، يمتلك أيضًا مجموعةً من المعايير والمبادئ الأخلاقية التي تنظّم سلوك أفراده وعلاقاتهم. وحقًّا، إذا كانت القوانين تُنظّم حقوق الناس وحرياتهم في المجتمع، فإنّ الأخلاق تُحدّد وتُنظّم العلاقات والسلوكيات والتصرّفات المتبادلة بين الأفراد، وبينهم وبين الجماعات الاجتماعية وغيرها من التكوينات التاريخية للبشر ومن هنا فإنّ الأخلاق تُعبّر عن المستوى الروحي للمجتمع، وتُعدّ العامل الأهمّ في تطوّر ونموّ الحياة الاجتماعية والاقتصادية وبناء الدولة وإدارتها. ولها دورٌ فعّال في ترسيخ الوحدة الوطنية، واستقرار الدولة، والسلم الاجتماعي، وتحقيق التنمية الشاملة للشخصية، كما أنّها تمثّل معيارًا موضوعيًا لدرجة نضج العلاقات الاجتماعية، وعلامةً على الإنسانية والقيم الإنسانية في كلّ فرد. ولذلك، شهد تاريخ البشرية ظهور شخصياتٍ ثقافيةٍ عظيمة أولت اهتمامًا خاصًّا بالارتقاء بالمستوى الأخلاقي للمجتمع، ومن خلال ذلك السعي إلى ترسيخ الاستقرار والدوام وحماية الدولة ونظام الحكم من الاضطراب، فخلّفت آثارًا قيّمة. ويُعدّ أبو حنيفة النعمان بن ثابت من أعظم شخصيات العالم الإسلامي، إذ قدّم خدمات جليلة في إظهار الأخلاق الحميدة وإتاحتها لأبناء الأمة الإسلامية.
تُبيّن تعاليم الإمام الأعظم أنّ مصدر التعليمات الأخلاقية لهذا الفقيه العظيم هو القرآن الكريم والأحاديث النبوية. فالنصائح والحكم المستمدة من القرآن تُظهر ذلك بوضوح. ويجدر التنويه إلى أنّ الكتب المقدسة في العالم، بما فيها القرآن الكريم، بُنيت أساسًا على القيم الأخلاقية وتهدف إلى تربية الإنسان على الأخلاق الحسنة. كما أنّ الفكرة الأساسية في الديانات العالمية تدعو إلى أنّ الإنسان يَتميّز عن الكائنات الحية الأخرى بالعقل والأخلاق والآداب. ومن هنا، فإنّ جميع الديانات والتيارات الأيديولوجية في بداياتها اعتمدت أولًا على الصفات الأخلاقية للإنسان وظهرت استنادًا إليها. خلود وديمومة الكتب المقدسة يكمن أيضًا في أنّها تحدّد بوضوح وبأسلوب فصيح الفارق بين الأخلاق الحسنة والانحراف الأخلاقي.
يمكن القول بثقة إنّ مضمون جميع الكتب المقدسة، وخاصةً القرآن الكريم، كان دليلًا أخلاقيًا للإنسان. وإذا أردنا تلخيص جوهر هذه الكتب في جملة واحدة، فيجب القول إنّ الإنسان إذا سلك طريق الخير في حياته ينال منفعة ويبقى أثره، أما إذا اتّبع طريق الشر، فتبقى حياته بلا جدوى ويمضي عمره عبثًا. أي أنّ الأخلاق هي الهدف الأساسي والأبدي للإنسان، فهي تكبح النفس الشهوانية والحيوانية، والغضب والغرور البشري، وتضمن حسن التعامل والمعاملة بين الناس وفي المجتمع والدولة. وبناءً على ذلك، يمكن القول إن جوهر وحكمة جميع الآيات والسور في القرآن الكريم هي العدل والإنصاف، والصفات الحميدة والسلوك القويم، التي تنظّم بدورها جميع العلاقات بين الناس، داخل الأسرة والمجتمع، وتهدي الإنسان إلى الصدق والحق.
تكمن الخدمة البارزة لأبي حنيفة في أنّه درس القيم الإنسانية الثمينة المستمدة من القرآن الكريم وجمعها وجعلها متاحة لأفراد المجتمع. وقد شدّد دائمًا على أنّ الحقّ والعدل والصدق والأمانة والاستقامة يجب أن تكون معيارًا لأعمال كل فرد، بغض النظر عن موقعه الاجتماعي أو ثروته أو قوته. أعظم موضوع في التعاليم الأخلاقية للإمام الأعظم هو موضوع العدل والإنصاف، لأنّ "العدل والإنصاف هما مطلب أخلاقي يحدد كلًّا من الأخلاق الاجتماعية، وسياسة الدولة والحكام، والصفات الإنسانية العامة. فهما المعيار لكلّ علاقة أخلاقية." ومن ثمّ يواصل القول إنّ أبو حنيفة يعتبر العدل والإنصاف شرطًا مهمًا وواصفة أساسية لمن يتولّى المناصب الحكومية. فالعدل والإنصاف في تعاليم أبي حنيفة لا يقتصر معناه على البُعد الاجتماعي فحسب، بل يمتد أيضًا ليشمل سلوك كل فرد. في مؤلفه "الفقه الكبير"، يوضح ثلاثة أشكال للعدل: أ) العدل الفردي؛ ب) العدل الاجتماعي؛ ج) العدل كمقياس لتقييم السلوكيات الأخرى، وقد شرحها جميعًا بشكل مفصّل وكامل. تم تطوير هذه الشروحات في المقالة بشكل أوسع، وتم ربطها بالمعايير القانونية بشكل كامل. ويُشير إلى أنّ هذه المفاهيم تُطبّق في الدولة ونظام الحكم ضمن القوانين، ويُعدّ تنفيذها شرطًا أساسيًا لكل مواطن. كما أنّ الالتزام بالعدل في الوعي الأخلاقي أمرٌ واجب، ويُعتبر شرطًا أساسيًا لنضج الإنسان.
في تعاليم أبي حنيفة، يرتبط العدل والإنصاف ارتباطًا وثيقًا بمفاهيم الحقّ وطلب الحقّ، إذ إنّ أبو حنيفة نفسه جعل الحقّ معيارًا للأعمال الشرعية، ووضعه في سلوكه وتصرفاته كنموذج يُحتذى به للناس. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ "أبي حنيفة كان أحد مؤسسي الأخلاق الشرعية، حيث جمع بين متطلبات ومعايير الأخلاق والأحكام الشرعية، وقد استلهم الباحثون اللاحقون من آرائه وخلّفوا آثارًا أخلاقية بارزة، وتأثيرها واضح على جميع المذاهب الأخرى". كما أنّ النصائح الأخلاقية التي ورثها أبو حنيفة تمجّد العدل والإنصاف، والصدق، وطلب العلم، والبناء والإعمار.
المسألة الأخرى التي حظيت بااهتمام واسع من القراء هي نصائح أبي حنيفة بشأن التعامل مع أتباع الأديان الأخرى، أي التسامح. وفي هذا الصدد شدّد أبي حنيفة على أنّ "التصرّف بحسن الخلق والمعاملة الحسنة مع أتباع الديانات الأخرى يجب أن يكون الأسلوب المتبع، ويجب السعي للتعايش معهم بسلام". للجمال والقبح والسعادة، وكذلك المسائل المتعلقة بالأسرة والأُسرة، والتي ترتبط بالأخلاق وتُظهرها بشكل أفضل، مكانة خاصة في التعاليم الأخلاقية لأبي حنيفة. يجدر بالذكر أنّ تقدّم المجتمع لا يعتمد فقط على الاقتصاد والمجتمع، بل تلعب الروحانيات، بما في ذلك القيم الأخلاقية، دورًا فعّالًا في ارتقائه. إذا ضعفت الأخلاق في المجتمع، وظهرت مظاهر سلبية مثل انعدام الضمير، وحب الذات، والطمع، والرشوة، والمحسوبية، والنفاق، وغيرها، فإنّ هذا المجتمع، حتى وإن كان يمتلك التقنيات والتكنولوجيا المتقدمة، لن يكون له مستقبل، ولن يحرز تقدّمًا، وسيواجه حتمًا الانهيار. في فقه أبي حنيفة وُصفت الحكمة والعدل وكمال الإنسان، واعتُبر الظلم سببًا لنقص الأخلاق، أي أنّ تحريم الظلم والاعتداء على حقوق الآخرين له مكانة خاصة. وقد بيّن أنّ جمال العدل وقبح الظلم مصدرهما الفطرة، وهما من المسائل الضميرية. الأشخاص المطلعون على علم الفلسفة يدركون جيدًا أنّ هذه المسألة تحتل مكانة خاصة في التعاليم الأخلاقية لفلاسفة العالم. وقد فسّر الفلاسفة هذه المسألة وعلّقوا عليها بطرق مختلفة حسب موقعهم وفهمهم للعالم. وفي تعزيز الفكر، يمكن القول إنّ الخاصية المميزة للأخلاق والمفاهيم الأخلاقية تكمن في أنّها لا تنبع من التجربة، بل هي "أبريورية"، أزلية، ولها مكانتها في عقل الإنسان السليم. وهي تظهر فقط من خلال التعليم والتربية، وتصبح وسيلةً مهمة لحياة الإنسان في المجتمع. إلى الحد الذي نعلمه من الكتابات والدراسات حول إرث أبي حنيفة، يبدو أنّه ذكر هذه الفكرة في مناسبات محددة، لكنه لم يؤكدها ويعبر عنها بشكل قاطع. والسبب الرئيسي في ذلك أنّ الإمام الأعظم لم يتناول مسألة نشأة الأخلاق بشكل خاص، باعتبارها شكلًا من أشكال الوعي الاجتماعي، الذي يظهر بالتفاعل مع المجتمع ويتغير مع تغير العلاقات الاجتماعية ويكون دائمًا في تطور مستمر.هنا الحديث يتركّز فقط على الموقع الأخلاقي لكل فرد في المجتمع. وتُظهر المصادر التاريخية والروايات حول نشاط أبي حنيفة أنّه لم يكن فقط مؤسسًا للتعليمات الأخلاقية الشرعية، بل إنّ سلوكه وأخلاقه الشخصية ظلّت عبر القرون نموذجًا يُحتذى به، إذ كان يتحلّى بأفضل الصفات الأخلاقية. كان زاهدًا ومتّقيًا، يبتعد عن الغيبة ويحافظ على طهارة لسانه من كلّ دنس.
المسألة الأخرى التي تتعلق مباشرة بالمجتمع المعاصر والتي حظيت بالاهتمام هي مسألة العلاقة بين الدين والأخلاق في تعاليم الإمام الأعظم، حيث كان يرى أنّ "الدين والأخلاق جزءان مرتبطان معًا، ويعتبر تربية الفضائل والسلوكيات الحسنة للإنسان أمرًا ضروريًا، وكان يسعى من خلال النصائح والإرشاد إلى إزالة غبار الغفلة عن وجه الفطرة".
الدين لا يقتصر على تربية الفضائل الحسنة فحسب، بل يمنع أيضًا الصفات القبيحة والسيئة. فبعض الآيات تُعدّ كتعاليم أخلاقية تشكّل أساس سعادة الإنسان في حياته، وتشدد على تجنّب السلوك القبيح على سبيل المثال، (الآيات 151- 153، سورة الأنعام)، التي تؤكّد على الصفات الحسنة وتحث على اجتناب الصفات القبيحة، تقدّم عشر وصايا أخلاقية. ينبغي لكل مؤمن، الخائف من الله والمتّقي له، أن يتحلّى بالصفات الحسنة، والفضائل، والعدل، وأن يبتعد عن كلّ الظواهر السلبية مثل العنف، والشر، والضرر، والخلافات، والتخريب. ينبغي عليهم ألّا يسمحوا للآخرين بالانخراط في مثل هذه الأفعال القبيحة التي تُخلّ بالأمن الاجتماعي وتزعزع المجتمع. أي أنّ الدين، كجزء من الثقافة، يجب أن يساهم إسهامًا قيّمًا في سلام وتقدّم المجتمع. وفي تعاليم الإمام الأعظم حول الإنسان والمجتمع جاء: لا ينبغي للإنسان والمجتمع الانغماس في الفوضى والشهوات والطمع بالثروة، لأنّ ذلك يؤدي إلى فساد أخلاقي في المجتمع. وعلى العكس، يجب أن توجه ميول الإنسان ورغباته المجتمع نحو القيم الإنسانية العليا، وتدخل الطهارة والسكينة، وتساهم في تقدّم ونمو المجتمع. وفي هذا السياق، يؤكّد المؤلف أنّ الدين يقوم بخدمة عظيمة. ويجب أن يكون المتديّن حاكمًا وفاضلًا، وأن يقدّم المساعدة الشاملة للناس لاكتساب القيم الأخلاقية العليا.
أخلاق المجتمع مسألة تتجاوز حدود أمة أو دولة، ولها طبيعة إنسانية عامة، ولا تقتصر القيم الأخلاقية على مجموعة محددة من الناس. ومن هنا، فإنّ استفادة الناس من تعاليم كبار العلماء والثقافة والدين والمذاهب، التي لا تتوافق فقط مع القيم الأخلاقية للمجتمع المعاصر، بل غالبًا ما تمثّل المثال الأعلى للأخلاق، تساهم في تقدّم المجتمع أخلاقيًا وروحيًا في هذا السياق، تُعدّ تربية الأخلاق لدى الشباب المسألة الأهمّ. فبفضل أخلاق الجيل الناشئ يُبنى الجوّ الأخلاقي السليم، ويتكامل الجانب الروحي للمجتمع، ويتوقف مستقبل الأمة والدولة عليها. أودّ أن أختتم أفكاري في هامش هذه المقالة بالإشارة إلى أنّ المقالة مكتوبة بمستوى علمي ونظري عالٍ، وتمتلك أهمية كبيرة على الصعيدين العملي والسياسي والثقافي أسعد الأشخاص والمجتمعات والدول هم الذين يستطيعون مقاومة الشرّ، والسلوك السيئ، والنهب، والتخريب، التي قد تبدو جذابة لبعض الأفراد، ويستمرون في مكافحتها بلا هوادة. إنّ مفاهيم "الأخلاق"، و"العدل"، و"التسامح"، و"الروحانيات"، و"المثال الأعلى"، و"الوحدة" تُعدّ اليوم بالنسبة لنا من القيم المقدّسة. الأخلاق معجزة رائعة. وجودها لا يُحسّ به عادة، أما غيابها فيصبح واضحًا للعيان.
في البداية، يبدو أنّ الأخلاق لا علاقة لها بالأمور، وأنّ عدم الالتزام بالمعايير الأخلاقية لا أهمية له. لكن عندما يسلك الإنسان والمجتمع طريق الانحراف الأخلاقي، يُصبح واضحًا مدى خطورة هذا الطريق ومقدار الفوضى والكوارث التي قد يسببها. يتّضح في هذه الحالة أنّ التقدّم الاقتصادي، والسكينة الاجتماعية، والسلام والاستقرار في المجتمع مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأخلاق. ويجب أن نضع في الاعتبار أنّ الأخلاق تنتقم من الانحراف الأخلاقي، فكل إنسان مسؤول دائمًا عن أفعاله السيئة وسوء سلوكه. إذا نظرنا إلى طبيعة الأحداث التاريخية الكبرى في الماضي والحاضر، ندرك بلا صعوبة أنّ نشوء جميع التيارات الهدّامة مثل التطرف الديني والسياسي، والتفرقة، والعنف، والإرهاب، والنهب والقتل، ينبع من الانحراف الأخلاقي إن انهيار وسقوط الإمبراطوريات الكبرى في العالم، بما فيها الإمبراطورية الرومانية، كان نتيجة الانحراف الأخلاقي.
هذه حقيقة اختبرها الإنسان مرارًا. واليوم، نشعر بالقوة الأكبر للقيم الأخلاقية مقارنة بالماضي، ونسعى جاهدين لفهم واقعيتها في بناء الدولة الوطنية والمجتمع المدني. بعد إدراك حقيقة الأخلاق التاريخية، لا ينبغي لنا أن نتجاهل الحقيقة التاريخية للأخلاق. وهذا يعني أنّه يجب علينا الاعتراف بأننا في الماضي شهدنا الخير والشر، والعدل والظلم معًا، وأن ندرك وجود علاقة لا تنفصم بينهما. فلنفتخر بالمبادرات الحسنة، ولنشعر بالحزن على الشر والإخفاقات.