مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الاحتراق الوظيفي ليس قدرًا.. بل قرار إداري ..بقلم ياسر نبيل

2026-03-26 01:26 PM  - 
الاحتراق الوظيفي ليس قدرًا.. بل قرار إداري ..بقلم ياسر نبيل
ياسر نبيل

لم يعد الاحتراق الوظيفي حالة فردية نادرة، بل أصبح ظاهرة جماعية تعكس خللًا عميقًا في ثقافة العمل الحديثة. 

هو ذلك التآكل البطيء للطاقة النفسية والذهنية، حين يُستنزف الإنسان في أداء مهام تفوق طاقته، دون دعم حقيقي، أو تقدير عادل، أو شعور بالأمان الوظيفي.

أحد أخطر أسباب الاحتراق الوظيفي اليوم يتمثل في ممارسات إدارية تضع النتائج فوق الإنسان. 

مديرون يُكلفون موظفيهم بأعباء مضاعفة، وساعات عمل ممتدة، وتوقعات غير واقعية، دون توفير الأدوات أو الدعم اللازم، وكأن القدرة على التحمل مورد لا ينضب. في هذا النموذج، يُكافأ الصمت، ويُعاقب التعب، ويُنظَر إلى الإرهاق كدليل التزام، لا كناقوس خطر.

يزداد الأمر قسوة حين يصبح التهديد المستتر أو الصريح بالفصل جزءًا من المشهد اليومي. 

قرارات تُتخذ بلا اعتبار للبعد الإنساني، لفصل موظفين لا يملكون رفاهية فقدان مصدر دخلهم، وكل ذنبهم أنهم أُرهقوا، أو طالبوا بحدود، أو لم يعودوا قادرين على العطاء بنفس الوتيرة. خلف كل موظف مفصول أسرة، وأطفال، ومسؤوليات لا تنتظر، لكن هذا لا يظهر في تقارير الأداء.

الاحتراق الوظيفي هنا لا يكون نتيجة ضغط العمل فقط، بل نتيجة شعور عميق بعدم العدالة، وانعدام الأمان، وغياب القيادة الرحيمة. 

الموظف المحترق قد يستمر في الإنجاز ظاهريًا، لكنه يفعل ذلك على حساب صحته، وعلاقاته، وثقته بنفسه.

الحل لا يبدأ بدورات تحفيزية أو شعارات إيجابية فارغة، بل بمراجعة صادقة لدور الإدارة: هل المدير قائد يدعم ويوازن، أم مجرد ناقل ضغط؟ بيئات العمل الصحية تُبنى حين تُحترم طاقة الإنسان قبل إنتاجيته، وحين يُنظر إلى الموظف كإنسان لا كرقم قابل للاستبدال.
في عالم يُقاس النجاح بما يُنجز، يبقى النجاح الحقيقي هو ما لا يُدمر من يُنجزه .

مساحة إعلانية