مساحة إعلانية
الدولة، في أصل فكرتها، ليست كيانًا مفارقًا للمجتمع، بل هي تعبير منظم عن إرادته، وأداة لحماية مصالحه وصون أمنه. وقد منحها المواطن، صراحة أو ضمنًا، عناصر القوة كافة: من سلطة التشريع، إلى أدوات الضبط، إلى إمكانات الردع. ولم يكن ذلك التفويض مطلقًا أو بلا قيد، وإنما جاء مشروطًا بهدف واحد لا لبس فيه: حماية المواطن، لا الاستقواء عليه.
فالقوة التي تحتكرها الدولة ليست امتيازًا، بل مسؤولية. وهي أمانة في عنق السلطة، لا يجوز توجيهها ضد من مُنحت من أجلهم. ومن ثم، فإن أي انحراف بهذه القوة عن غايتها، يحولها من وسيلة حماية إلى أداة قهر، ويهدم الأساس الأخلاقي والقانوني الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.
ولا خلاف أن المواطن قد يخطئ، وقد يتجاوز، بل وقد يعتدي على حق من حقوق الدولة. غير أن هذا لا يبرر أبدًا أن تواجهه الدولة بمنطق الغلبة أو الانتقام، وإنما بمنطق القانون. فالعقاب في الدولة الرشيدة ليس فعلًا انفعاليًا، بل إجراء منضبط تحكمه قواعد مجردة، ويخضع لرقابة قضائية، ويستهدف الإصلاح قبل الردع.
إن سيادة القانون لا تعني فقط وجود نصوص مكتوبة، بل تعني بالأساس عدالة هذه النصوص، وحسن تطبيقها، وتكافؤ أطرافها أمامها. فالقانون، في جوهره، يجب أن يكون ميزان عدل، يزن الأفعال بموضوعية، لا سيفًا في يد السلطة، يُشهر في وجه المواطن كلما اختلف أو أخطأ.
والتاريخ يعلمنا أن الدول التي استخدمت قوتها ضد شعوبها، وإن بدت قوية في ظاهرها، فإنها في حقيقتها كانت تفتقد إلى الشرعية، وتتعرض لتآكل داخلي ينتهي بها إلى الضعف أو السقوط. أما الدول التي احترمت مواطنيها، وأعلت من شأن القانون، فقد رسخت أقدامها، واكتسبت ثقة شعوبها، فكانت أكثر استقرارًا وأبقى أثرًا.
إن العلاقة بين الدولة والمواطن ليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل. الدولة تحمي، والمواطن يلتزم. الدولة تفرض النظام، والمواطن يحترم القانون. فإذا اختل هذا التوازن، واختارت الدولة أن تكون خصمًا بدلًا من أن تكون حكمًا، فإنها بذلك تفقد مبرر وجودها.
ومن هنا، فإننا نؤكد أن قوة الدولة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على البطش، بل بقدرتها على تحقيق العدل. وأن هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف، بل بالثقة. وأن القانون، إذا تحول من ميزان للعدل إلى أداة للترهيب، فإنه يفقد معناه، وتفقد الدولة معه مشروعيتها.
فليكن القانون دائمًا حصن المواطن، لا سيفًا مسلطًا عليه. وليكن ميزانًا دقيقًا للعدل، لا أداة في يد من يملكه. فالدولة التي تحمي مواطنيها بالقانون، هي وحدها التي تستحق أن تُحترم وتستمر.