مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

التراث العالمي في سلطنة عُمان بقلم: أحمد عبده طرابيك

2025-12-23 01:23 PM  - 
التراث العالمي في سلطنة عُمان بقلم: أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك
منبر

 تقع سلطنة عُمان في الركن الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية، وتشرف على طرق بحرية وبرية شكّلت عبر آلاف السنين جسورًا للتواصل الحضاري والتجاري بين حضارات الشرق الأدنى، وبلاد الرافدين، ووادي السند، وشرق أفريقيا، وبلدان المحيط الهندي. وقد أسهم هذا الموقع الاستراتيجي في تشكيل شخصية حضارية منفتحة، قادرة على التفاعل والأخذ والعطاء، مع حفاظها في الوقت ذاته على خصوصيتها الثقافية وهويتها المتجذّرة. ومن هنا، فإن التراث العُماني لا يُعدّ نتاجًا محليًا فحسب، بل جزءًا من التراث الإنساني المشترك الذي تداخلت في صياغته عوامل طبيعية وتاريخية واجتماعية واقتصادية متعدّدة. 
       يرتبط التاريخ والحضارة العُمانية ارتباطًا وثيقًا بالجغرافيا، فموقعها الجغرافي علي الخليج الذي تتحكم عُمان في مدخله من الجهة الجنوبية، حيث تتصل مياه هذا الخليج بالمحيط الهندي المؤدي إلى الشرق الأقصى من جهة وإلى بحر العرب فخليج بربرة الصومالي الذي ينتهي ببلاد سفاله في موزمبيق ويتفرع منه بحر القلزم "السويس" من جهة ثانية. ولذلك فقد ذكر الجغرافيون العرب عُمان في مؤلفاتهم، وركزوا على أهميتها الملاحية والتجارية وعلاقاتها بالصين والهند والسواحل الشرقية الأفريقية، وبعض جزر المحيط الهندي، بالإضافة إلى أشجارها وزراعاتها، ودونوا وصفاً لمدنها وقراها، كما سجلوا مشاهداتهم التي كانت أمام أعينهم أو تلك التي سمعوها أو نقلوها عن غيرهم، وقد تضمنت هذه المواد الكثير من المعلومات عن بلاد عُمان. 
      لقد شكلت سلطنة عُمان على امتداد تاريخها العريق أحد أهم المراكز الحضارية الكبري في العالم، والتي تفاعلت بشكل نشط منذ القدم مع مراكز الحضارة العالمية الأخري، ولذلك فقد أسهمت عُمان خلال مراحل تاريخية عديدة بنصيب وافر في الحضارة الإنسانية، فقد امتلكت قوة بحرية وسياسية مؤثرة، مكنتها من بسط سيطرتها علي مساحات شاسعة في آسيا وأفريقيا، وامتدت علاقاتها مع القوي العالمية الكبري. 
      تبرز المواقع التاريخية والحضارية حجم التاريخ العريق لعُمان، حيث تعد تلك المعالم الأثرية من قلاع وحصون وأدوات وأواني استخدمها الإنسان العُماني القديم خير شاهد علي تاريخ الإنسان الذي عاش في تلك المنطقة الحيوية والمهمة للعالم منذ فجر التاريخ وحتي الآن، فالدور العظيم الذي أسهمت به عُمان في صناعة الحضارة العالمية القديمة منذ عصور ما قبل التدوين والتاريخ، ما زالت تحتفظ بآثاره الكثيرة من المناطق خارج الجغرافيا العُمانية، سواء في منطقة الشرق الأدنى أو في الساحل الشرقي الأفريقي، إلي جانب العديد من المواقع التي تفصح عنها الاكتشافات الأثرية المتواصلَة في سلوت ورأس الحد ورأس الجنز وغيرها، حيث ما زالت تلك المناطق الأثرية تُدهش العالم وتبهره بتفاصيل ما تبوح به من أسرار هذا التاريخ العريق. 
      يعد التراث العالمي المادي المتمثل في المواقع والمعالم والآثار ذات القيمة الاستثنائية العالمية، والتي تمثّل شواهد ملموسة على عبقرية الإنسان وتفاعله مع بيئته عبر العصور. وفي سلطنة عُمان، تتجلّى هذه القيمة في خمسة مواقع أدرجتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "يونسكو" على قائمة التراث العالمي وهي، مواقع بات والخطم والعين الأثرية، وقلعة بهلاء، ونظام الأفلاج المائي العُماني، وموقع أرض اللبان، ومدينة قلهات التاريخية. وتمثّل هذه المواقع صفحات حيّة من تاريخ عُمان، توثّق تطوّر الاستيطان البشري، وأنماط العمران، ووسائل إدارة الموارد المائية، وشبكات التجارة القديمة، والإنجازات المعمارية والعسكرية والدينية التي تركت بصماتها الواضحة في المشهد الحضاري العُماني. 
      وإلى جانب هذه المواقع أدرجت سلطنة عُمان سبعة مواقع أخرى في القائمة المؤقتة لقائمة اليونسكو للتراث العالمي، وهي القائمة التمهيدية التي أقرتها اليونسكو لإدراج مواقع التراث العالمي بها خلال فترة استيفاء معايير اليونسكو لإنضمام المواقع إلى القائمة النهائية للتراث العالمي، وهذه المواقع هي، قلعتا الرستاق والحزم "1988"، محمية جزر الحلانيات الطبيعية "2013"، محمية بر الحكمان الطبيعية "2013"، محمية جبل سمحان الطبيعية "2013"، محمية جزر الديمانيات الطبيعية "2013"، محمية رأس الحد للسلاحف وموقع رأس الجنز التراثي "2013"، المشهد الثقافي لبيسيا وسلوت وآثارهما "2014". 
      كما تمتلك سلطنة عُمان تراثًا عالميًا فريدًا آخر، يتمثل في ، مجموعة الممارسات والتقاليد والمعارف والمهارات، وما يرتبط بها من آلات وقطع ومصنوعات وأماكن ثقافية، والتي تُعد جزءًا من التراث الثقافي الأصيل. وهذا التراث الثقافي غير المادي المتوارث جيلًا عن جيل، أبدعه الشعب العُماني خلال مسيرته الحضارية عبر القرون. إذ ينمي لدى العُمانيين الإحساس بهويتهم والشعور باستمراريتهم، ويعزز احترام التنوع الثقافي والقدرة الإبداعية البشرية كافة. وتضم سلطنة عُمان من هذا التراث غير المادي سبعة عشر عنصرًا تم إدراجها في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي وهي، فنون العازي "2012"، فن التغرودة "2012"، فن البرعة "2014"، فن العيالة "2014"، القهودة العربية "2015"، فنون الرزفة "2015"، المجلس العربي "2015"، عرضة الخيل والإبل "2018"، سباقات الهجن "2020"، فنون الخط العربي "2021"، نخلة التمر وما يرتبط بها من معارف "2022"، الخنجر العُماني "2022"، حداء الإبل "2022"، طبق الهريس "2023"، الحناء "2024"، الكحل العربي "2025، البشت "2025". 
      ولا تقتصر أهمية هذه المواقع على بعدها الأثري أو المعماري فحسب، بل تتجاوز ذلك لتشكّل فضاءات ثقافية حيّة، ارتبطت بحياة الناس اليومية، وأسهمت في صياغة أنماطهم الاجتماعية والاقتصادية. فالأفلاج، على سبيل المثال، ليست مجرد منشآت مائية هندسية، بل منظومة اجتماعية متكاملة تنظّم العلاقة بين الإنسان والماء، وتعكس قيمًا راسخة كالتعاون والعدالة وتقاسم الموارد. وكذلك في القلاع والحصون، التي لم تكن مبانٍ دفاعية وحسب، بل مراكز إدارية وسياسية واجتماعية أدّت أدوارًا محورية في تاريخ الدولة والمجتمع. 
      إلى جانب هذا التراث المادي، يزخر المشهد الثقافي العُماني بتراث غير مادي غني ومتنوّع، تشمل الفنون الشعبية، والممارسات الاجتماعية، والتقاليد الشفوية، والمعارف المرتبطة بالطبيعة والكون، والحِرف التقليدية، والعادات والتقاليد التي توارثها العُمانيون جيلاً بعد جيل. وقد حظي خمسة عشرة من عناصر هذا التراث الثقافي غير المادي باعتراف دولي من خلال إدراجها على قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى اليونسكو، مثل فن العيالة، وفن الرزحة، والتغرودة، وحداء الإبل، إضافة إلى المعارف التقليدية المرتبطة بالنخلة، وغيرها من الممارسات التي تعبّر عن روح المجتمع العُماني وعمق ارتباطه ببيئته الصحراوية والبحرية والجبلية. 
       يمثّل التراث غير المادي البعد الحي والديناميكي للثقافة، إذ يتجدّد باستمرار من خلال الممارسة والتداول الشفهي، ويشكّل وسيلة للتواصل بين الماضي والحاضر، وعنصرًا أساسيًا في تعزيز الانتماء والهوية. وفي المجتمع العُماني، حيث لعب هذا التراث دورًا محوريًا في ترسيخ قيم التكاتف الاجتماعي، واحترام الآخر، والتسامح، والعمل الجماعي، وهي قيم أسهمت في استقرار المجتمع وتماسكه عبر فترات تاريخية مختلفة. وقد أولت سلطنة عُمان، منذ بواكير نهضتها الحديثة، اهتمامًا بالغًا بصون تراثها الثقافي وحمايته، إدراكًا منها لأهميته في بناء الإنسان وتعزيز الهوية الوطنية، وبوصفه موردًا ثقافيًا واقتصاديًا يمكن توظيفه في دعم التنمية المستدامة. وتجلّى هذا الاهتمام في سنّ التشريعات والقوانين المعنية بحماية الآثار والمواقع التراثية، وإنشاء المؤسسات المتخصصة، وتنفيذ برامج التوثيق والترميم، ودعم الحرفيين والفنانين الشعبيين، وتشجيع البحث العلمي والدراسات الأكاديمية في مجالات التراث المختلفة. 
       حرصت سلطنة عُمان على التعاون الوثيق مع منظمة اليونسكو، والمشاركة الفاعلة في الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحماية التراث الثقافي والطبيعي، سواء المادي أو غير المادي. وقد أسهم هذا التعاون في تعزيز حضور التراث العُماني على الساحة العالمية، وإبراز قيمته الاستثنائية، فضلاً عن تبادل الخبرات وأفضل الممارسات في مجالات الحفظ والإدارة المستدامة للمواقع والعناصر التراثية. 

مساحة إعلانية