مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الجميلي أحمد يكتب: من روما إلى القاهرة.. جيهان زكي وترتيب أولويات وزارة الثقافة

2026-04-26 03:21 AM  - 
الجميلي أحمد يكتب: من روما إلى القاهرة.. جيهان زكي وترتيب أولويات وزارة الثقافة
جيهان زكي

حين تأتي شخصية ثقافية من مدينةٍ مثل روما  إلى القاهرة  فإنها لا تحمل حقيبة سفر فقط
 بل تحمل معها خبرة العواصم وهدوء المتاحف
 وذاكرة الحضارات وأن الثقافة ليست رفاهية تُمارَس في المناسبات 
 بل مشروع دولة يُعاد به تشكيل الوعي.
منذ أن تولت الدكتورة جيهان زكي حقيبة وزارة الثقافة قبل أشهر بدا واضحًا أن الوزارة دخلت مرحلة مختلفة 
 مرحلة عنوانها الأول: إعادة ترتيب البيت من الداخل ثم فتح الأبواب إلى الخارج ثم إعادة الجمهور إلى قلب المشهد الثقافي.
لم تبدأ الوزيرة من المنصات اللامعة بل من الملفات الصعبة. فقد اتجهت مبكرًا إلى مراجعة الهياكل الإدارية والاستعداد لحركة تغييرات واسعة داخل الهيئات الثقافية في إشارة إلى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من المؤسسة نفسها، لا من الشعارات. 
وفي خطوة تعكس فهمًا لطبيعة الدولة الحديثة، شكّلت لجانًا مختصة لضبط الأداء المالي والإداري  وفحص شكاوى العاملين، بما يضمن الانضباط ورفع كفاءة العمل. وهي رسالة مهمة مفادها أن الثقافة لا تزدهر بالفكرة وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى إدارة عادلة ومنظمة. 
لكن جيهان زكي لم تنسَ أن الثقافة روح قبل أن تكون لوائح. لذلك أعادت الزخم إلى الفعاليات الجماهيرية  وأطلقت برامج مثل “هل هلالك”  مع تكريم رموز وطنية وفنية  في مزجٍ جميل بين الفن والوفاء والذاكرة الوطنية. 
كما تحركت الوزارة نحو الشارع المصري  لا نحو النخبة فقط  من خلال الاستعداد لبرامج عيد الفطر في المسارح والسيرك وسينما الشعب، وهي خطوات تؤكد أن الثقافة يجب أن تصل إلى المواطن حيث هو  لا أن تنتظر مجيئه إليها. 
ولأن الوزيرة جاءت من مدرسة الدبلوماسية الثقافية، فقد بدا الحضور الدولي حاضرًا بقوة. لقاءاتها مع وزيرة الثقافة اليونانية لم تكن مجرد بروتوكول  بل تأكيدًا أن مصر قادرة على استعادة دورها كعاصمة ثقافية متوسطية، تربط الجنوب بالشمال  والتاريخ بالمستقبل. 
إن أهم ما يميز تجربة جيهان زكي حتى الآن، أنها تعرف الفرق بين “إدارة الثقافة” و”صناعة الأثر الثقافي”. الأولى وظيفة والثانية رسالة. وهي تدرك أن الوزارة لا ينبغي أن تكون أرشيفًا للماضي فقط، بل منصة لصناعة المستقبل، وأن قصور الثقافة والمسارح والمكتبات ليست مبانيَ صامتة، بل نوافذ مفتوحة على الوعي والجمال.
من روما، حيث تعلمت كيف تحترم الأمم تراثها، جاءت إلى القاهرة  حيث التراث نفسه يتكلم. ومن خبرة الخارج، عادت لتخدم الداخل. وبين المدينتين، تكتب جيهان زكي فصلًا جديدًا عنوانه: أن الثقافة المصرية حين تجد من يؤمن بها، تستطيع أن تنهض من جديد.
ربما ما زال الطريق طويلًا  وربما التحديات كثيرة، لكن البدايات تُقرأ من إشاراتها. وإشارات هذه المرحلة تقول إن وزارة الثقافة لم تعد تكتفي بإدارة الوقت  بل بدأت تستثمره. ولم تعد تلاحق الأحداث  بل تحاول صناعتها.
وهذا، في حد ذاته، أول انتصار.

مساحة إعلانية