مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

الشاعر والباحث درويش الأسيوطي يكتب: من تلك الأيام "بيت أبويا "

2024-04-18 01:27 AM  - 
الشاعر والباحث درويش الأسيوطي يكتب: من تلك الأيام "بيت أبويا "
الشاعر والباحث درويش الأسيوطي
منبر

(بيت أبويا ) .. تعبير تتداوله ألسنة النساءأكثر من الرجال ، وقد شاع في التراث الشعبي في العديد من الأمثال الشعبية والأغنيات . فبيت الأب هو موضع الاستقرار والستر ومقر الحريم ، وعرين الرجال ومملكة الزوجة، وملعب الأطقال .  و هو الملاذ الأخير للمرأة حين يجور عليها زوجها، أو يضيق بها الحال، فتروح إلى بيت أبيها . وهو الخيار الأخير للفتاة الذي تفضله عن الزيجة الندامة فالمثل يقول : قعاد الخزانه ولا جوازة الندامه  . وهو بيت الذكريات الغضة النقية للرجال والنساء ، وموضع إجتماع الأسرة قبل أن تفرقها الطموحات والأهواء وخلافات السلايف ( زوجات الأخوة ) . و(بيت أبونا) غير قابل للمنازعة وإن قبل التقسيم . وهو  موضع الأمن من عدوان الآخرين .ويبقى بيت الأب موضع الاعتزاز والفخر مهما قل شأنه وتقزم بنيانه . 
     وبيت أبويا  في ذهن الرجال والنساء في قرانا بنيان معنوي أكثر منه بنيان مادي ، لا يشترط له شكل أو مساحة لكنه قطعة من حمى العائلة . كانت العائلة قديما تقيم في بيت واحد ، يخصص لكل رجل وامرأته غرفة أو خزانة،  يدخلانها ليلة الدخلة، ويترددان عليها لإنجاب الأطفال . وتنام به الزوجة طالما ظلت على ذمة زوجها ، فإذا غضبت أو طلقت، راحت( بيت أبيها) . والخزانة  مخزن أسرار الزوجين  ومخزن خصوصياتهما، كالسحارة أو صندوق الزوجة، ومعلاق ملابس الزوجين والعيال. أما العيال والرجال في غير أيام المهام الرسمية فلهم أن يناموا في أي ركن وعلى أي مصطبة مشاع . وهناك قواعد لتناسل البيوت محترمة كقواعد تناسل الناس . فلا يكون للرجل بيته المستقل طالما ظل أبيه على قيد الحياة، وظلت قبضته الحاكمة قوية ، فإذا مات الأب أو ضعفت قبضته ، خرج الرجل بزوجته وعياله من بيت أبيه إلى بيته الخاص . 
   والبيت كما أشرنا من قبل مجرد موضع يحاط بما يستر من حوائط ( تداري) وتستر الحرمات ، فقد يبنى البيت من الحجر المنقوش ، وقد يبني من الطوب الأحمر والآجر ، وقد يبنى من الطوب الأخضر. وقد تتولى المرأة والرجل تشكيله من جواليس من الطين المخلوط بالقش أو التبن أو الدمس ، وقد يحاط الموضع بأطنان البوص التي تسمى في بعض القرى ( الستيرة ) لأنها تستر من بداخلها . 
  وأهم مرافق البيت مهما كانت مادة بنائه : الخزانة ، والمصطبة ، والفرن والكانون ، والصفة ،. والزير والبلاص  . فالخزانة هي موضع نوم الزوجة مع زوجها أو منفردة وبناتها ، وموضع خزين الأسرة وخبيئة أسرارها . والمصطبة لنوم الأب والأولاد في العادة . والفرن والكانون للخبز والطبخ ، و(الصفة) لوضع أدوات المطبخ البسيطة والضرورية . ويخصص الزير أو الأزيار لماء الشرب أما البلاص فهي وسيلة جلب الماء إلى البيت . 
 والحقيقة أن ذاكرتي لا تحتفظ بصورة واضحة لبيت أبي أو( بيت أبويا ) كما نقول . فقد أمضيت معظم سني طفولتي في بيت جدي لأمي . فلما بلغت السن التي يمكنني فيها الاعتماد على نفسي والعناية بأمي وإخوتي  ، ودخلت أول زوجة من زوجات أخوالي بيت جدي، كان علي أن أعود إلى ( بيت أبويا ) . 
  وكان بيت أبي في الواقع هو بيت جدي درويش بعد تقسيمه . وهو مساحة كبيرة تمتد ما بين حائط مسجد جدنا الشيخ جابر ودرب الشرفا . إختص عمي حسن نفسه بالمبني منه ، وترك المساحة غير المبنية ليقتسمها أخواه [ أبي وعمي أحمد]  . ولما كان عمي أحمد قد استحلى سكنى الجزيرة ، قام عمي حسن بضم نصيب عمي أحمد إلى منافعه ، وترك نصيب أبي الذي حرصت أمي قبل أن تغادر بيتها إلى بيت أبيها مع أيتامها ، أن تحدده (بسباته) سور من بوص القيضي ( أعواد الذرة الرفيعة ) . 
   قبل الانتقال الرسمي إلى (بيت أبويا ) شمرت أمي الشابة عن سواعدها وسواعد شقيقاتها والمجاملات من نساء عائلتنا الأشراف لإعداد معجنة ضخمة من الطين المخلوط بالتبن ، لتصنع منه حائطا  يحل محل (السباته) القديمة التي استلت زوجات عمي حسن معظم أعوادها مع مرور السنين . وصنعت الحائط الفاصل من الحواليس ( جمع جالوس ) وهو كتلة من الطين التي يمكن رفعها باليدين  ، لطسته بمهارة بطبقة من الطين فصارا حائطا متماسكا حين جف .  وإلى جوار الباب صنعت مصطبة من قوالب الطوب وفرشتها بالحصير لتكون موضعا لنومنا نحن الأولاد ، وعلى نفس الجانب بنت خزانة سقفتها بالجريد وسعف النخيل وسدت خلاله بمزيج من الطين والتبن .كانت تنام بها، وكنا نلجأ إليها شتاء احتماء من الأمطار النادرة وطلبا للدفء ، 
      وكان بالبيت نخلة حلوة الثمار شدت إليها حمالة الزير ليكون في ظل النخلة معظم ساعات النهار ، وفي مواجهة الباب على الجانب البعيد من البيت أقامت الفرن والكانون والصفة . هكذا صار لنا بيتا مستقلا وحين كان يسأل أصدقائنا من أبناء أخوالي عنا .. كانت جدتي تقول بفخر (راحوا بيت أبوهم .. ). 
 ولما كانت المساحة التي خصصت لأولاد المرحوم حنفي صغيرة ،فقد رأت أمي أن تشتري شريحة كانت تفصل بيتنا عن (درب الشرفا ) لتفتح بابنا على الطريق الرئيسي ، ويبدو أنها تكلمت مع البعض في الأمر فعندما جهزت ثمن الأرض وأرسلتني إلى حلوان لأشتريها من أحد أقاربنا المقيمين هناك ، كان عمي حسن قد سبقني واشترى الشريحة لنفسه،  فصار بيته يحيط ببيتنا من كل الاتجاهات وعلينا أن نمر ببيته لنصل إلى بيتنا . كان بخبرته يعلم أن الأمر لن يستمر وسوف نضطر آجلا أو عاجلا أن نبيعه البيت ليصير بيت جدي درويش كله له . وقد كان .
لم أكن أبيت كثيرا في بيتنا هذا بحكم عملي في البداري وسكني بها ، ثم انتقالي إلى أسيوط فيما بعد فقد تعودت على النوم على الأسرة والحياة في أماكن مقفلة كبيوت البندر. ولهذا قبل الانتقال بسكني الخاص وعملي إلى أسيوط ، أغريت أمي – رغم وجود أخوي بالخدمة العسكرية - أن نبني بيتا جديدا في أرض قريبة نملكها يطل على ( الترعة الكبيرة )، انتزعناها بصعوبة من مستأجرها ، وتحملت أمي كالعادة مسئولية البناء ، وساعدنا خالي أحمد على بناء بيت من الحجر والطوب الأحمر به خزانة وحيدة ومصطبة ومندرة لاستقبال الضيوف .

مساحة إعلانية