مساحة إعلانية
الشاعر ليس ماكينة صرّاف آلي؛ تُدخل فيها المؤثِّر فتخرج لك قصيدة. الشاعر شيء آخر تمامًا. قد يتأثر بموقف عابر لا يتأثر به عموم الناس، فيكتب قصيدة مؤثرة عن لاعب سيرك أو شحاذ، ولا يكتب عن وفاة سلطان أو ملك أو خليفة.
قد يكتب قصيدة عن جاره، ولا يكتب عن فنان أسطورة أو نجم شباك عند وفاته.
قد يكتب في رثاء كلب، كما كتب العقاد، ولا يكتب في رثاء بطل قومي.
أنا رأيت صورة امرأة مصرية بسيطة، من إخوتنا المسيحيين، أم الشهيد أبانوب جاب الله، أتذكر الصورة جيدًا: أمٌّ حزينة تمسك بصورة فوتوغرافية لولدها. تحت هذا التأثير القاسي، كتبت – فيما أعتقد – أعظم قصيدة رثاء كتبتها في حياتي، في رثاء الشهيد أبانوب صابر جاب الله، أحد شهدائنا في سيناء.
ولم أكتب عن الشهيد محمد صلاح، الذي كتب عنه آلاف الشعراء غيري ، لأنني وقعت تحت تأثير قاسٍ وعظيم مصدره تلك الأم.
أنا شاعر الإنسانية، لا شاعر المسلمين فقط، ولا شاعر المسيحيين فقط. أنا شاعر منحاز للإنسان.
كتبت قصيدتي في رثاء أبانوب صابر جاب الله، فخرج الأوغاد من جحورهم، الأوغاد الذين ملأوا امصر سمومًا، فسمّموا علينا الهواء الذي نتنفسه. خرج بعضهم يقول لي وبأي حق تعطي نفسك حق الفتوى لتقول إن هذا المسيحي شهيد وهو ليس شهيدًا وكأنهم أخذوا توكيلًا عن الله سبحانه وتعالى في إدخال فلان النار وإدخال علّان الجنة!
حاشا لله.
كيف لا أمنحه صك الشهادة، وهو مات يدافع عن رمال سيناء المقدسة، وعن رمال وطنه؟ وما لي أنا بالجنة والنار في الآخرة؟
أنا أتحدث عن قيم المواطنة.
كلنا أبناء مصر، وكلنا شهداء مصر، وكلنا جنود مصر.
لا فرق عندي بين مسلم ومسيحي؛ كل من قدّم دمه لمصر فهو شهيد لمصر.
الله وحده يدخل الجنة أو النار، وله الملك والإرادة، ولا دخل لنا نحن في هذا.
منذ خرجت إلى الدنيا شاعرًا، في سنوات الجامعة، وأنا أكتب في رثاء الضحايا .
كتبت عن فتاة العتبة المغتصبة. وكتبت «رثاء العراق» عند حصارها . و في رثاء محمد الدرة قصيدة «البشارة»، وكان ديواني البشارة: أغاني الحب والثورة (2002) متأثرًا بمحمد الدرة وانتفاضة الحجارة، تقريبًا في عامي 2000 و2001.
، وشهداء غزة وعن الشهيدة شيرين أبو عاقلة.
وعندما رأيت صورة جندي مصري شهيد الإرهاب، أسمر البشرة، من الصعيد، من أهلنا الفقراء، كتبت قصيدة انتشرت على فيسبوك انتشارًا واسعًا، ونالت أكثر من ثلاثمائة مشاركة، غير النسخ واللصق، ابحثوا عنها على الفيسبوك كان مطلعها
«كان أبوك مستني رجوعك
تعدّل المايلة
يا أبو الكتاف شايلة البلد شايلة
إيه م الدموع يكفيك
يا اسمر بلون الأرض
أمك يا ولد العم جابها المصاب ع الأرض…»
إلى نهاية القصيدة، لعرفتم ما أعني.
يحزنني كثيرًا أن مصر، في الفترة الأخيرة، ظهر فيها فريق معادٍ لمصر ... فسمّم علينا كل شيء: أصبح الفن حرامًا، والتمثيل حرامًا، والغناء حرامًا، والموسيقى حرامًا.
حتى الحديث عن لاعب الكرة الأسطورة محمد صلاح، هذا الرجل الذي صنع بكفاحه الشريف أسطورة مصرية، وملحمة مصرية، وحدوتة مصرية يتحدث عنها العالم، أصبح جريمة!
والوقوف بجانبه ضد هؤلاء المشوهين نفسيًّا، صار ذنبًا.
وكأن الشاعر لا يكتب إلا في القادة والجنود والشهداء فقط.
وكأن الشاعر عرضحالجي على باب المحكمة يكتب ما يطلبه أصحاب الحاجات!
والشاعر الحق هو الشاعر الحر لا الموظف .