مساحة إعلانية
اللغة الشعبية المصرية
يقول ابن خلدون في المقدمة :
( إعلم أن اللغة في المتعارف هي عبارة المتكلم عن مقصوده ، وتلك العبارة، فعل لساني ناشيء عن القصد بإفادة الكلام ، فلابد أنه ملكة متقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان ، وهو في كل أمة بحسب إصطلاحاتهم ) (1)
ويرى ( دي سوسير ) أن اللغة ( نظام من الرموز الصوتية الإصطلاحية في أذهان الجماعة اللغوية ، تحقق التواصل بينهم ، ويكسبها الفرد سماعا من جماعته ) (2)
و (اللغة الشعبية العربية) المستخدمة في مصر، وخاصة في وسط الصعيد؛ لغة عربية فصيحة . على غير ما شاع بين الناس، حتى المثقفين منهم. وبرغم ما لقيتْه من عنت المتفيهقين من النقاد والمنظرين. لقد قال الجرجاني عن الفصاحة: ( هي في المفرد: خُلُوصه من تَنَافر الحروف والغَرَابة و مُخَالفة القِياس، وفي الكلام: خُلُوصه من ضعف التَّأليف، وتَنَافُر الكلمات مع فَصَاحَتها،... وفي المتكلِّم: مَلَكَةٌ يقتدر بها على التَّعبير عن المقصود بلفظ فَصِيح) (3) ، وقال الرَّازي: (الفَصَاحة خُلُوص الكلام من التَّعقيد) (4) .فالفَصَاحة عبارة عن الألفاظ البيِّنة الظَّاهرة، المتبادرة إلى الفهم، والمأْنُوسة الاستعمال بين الكُتَّاب والشُّعراء، وفَصَاحة الكلام سلامته بعد فَصَاحة مفُرداته ممَّا يُبهم معناه، ويَحُول دون المراد منه.(5) .
واللغة الشعبية المصرية وفق التعريفات القديمة والحديثة لغة فصيحة، فألفاظها تجري وفق قياسات يسهل تبينها لمن يحاول ذلك ، وهي واضحة الدلالة لمن يعرفها، وهي مأنوسة الاستعمال بين الكتاب والشعراء، وقد صيغ بها المعجز من الأشعار والحكايات وضروب التعبير الشعبية الأخرى قديما وحديثا. بل إن كبار الأدباء والشعراء المصريين، حينما يفكرون في كتابة أعمالهم، فهم يستخدمون اللغة الشعبية المصرية في التفكير، ثم يعمدون إلى ترجمته إلى لغة قريش الشهيرة باللغة العربية الفصحى .
اللغة ظاهرة إجتماعية، لا يصنعها فرد أوعدة أفراد، وإنما تخلقها طبيعة الإجتماع للجماعة الشعبية، وتنبعث عن الحياة الجمعية، وما تقتضيه الحياة من تعبير عن الخواطر والإحتياجات، وتبادل للأفكار، ونصطلح عليها الجماعة الشعبية أو اللغوية . واللغة العربية لا نعني بها اللسان العربي، بل ما لهجت به الجماعة الشعبية من اللفظ باللسان العربي، واللغةُ الشعبيةُ المصرية هي لغة فصيحة، إذا كانت الفصاحة تعني البيان وإيضاح الدلالة، وهي ليست لهجة، بل هي لغة لها لهجات عدة، تختلف باختلاف الموقع الجغرافي وأصول سكانه. بل لا نبالغ إذا قلنا إن لكل قرية أو مجموعة قرى لهجتها الخاصة.
فعندما تسمع أحد أبناء ( قنا) يقول (الْهِنَيّهْ)، لـن يتبادر إلى ذهن أبناء الوجه البحري أنه يعني (الْبِتَاعْ)،أو(الشُّغْلَهْ)أو(الشُّعْلِهْ) كما نقولها في قريتي بأسيوط في وسط الصعيد. كما أننا لسنا بصدد لهجة من لغة واحدة، بل نحن أمام لغة ألفاظها مختلفة المشارب والموارد، منها العربي، ومنها غير العربي، وهذا أمر شائع في كل لغات أهل الأرض. وقد استقرت الجماعة الشعبية المصرية على قواعد لصياغة ألفاظها، والاشتقاق منها، وبناء تعابيرها، ولها معجمها الخاص الذي نحاول بصعوبة أن نتلمسه.
و تأتي الصعوبة الأولى التى تواجهُنا في هذا العمل، من تعدد اللهجات. لكن اللهجات المصرية الحضرية - في النهاية - تنحـاز إلى شكلين اثنين. فتتشـابه لهجاتُ الوجهِ البحري - والمعني به جـغرافيا الدلتا والقاهرة - كما تتشابه لهجاتُ الوجه القبلي ونعني به الصعيد. أما كل القبائل المنتشرة في الصحراء المحازية للوادي من الجانبين أو الساحل الشمالي، فتتشابه لهجـاتُها، وتكاد تندمج في لهجة واحدة، هي (اللهجة البدوية)، بينما انتقلت إلى الواحات لهجاتُ من هاجــرَ إليها من أهل الصعيد-وهم الأغلب- أو من أهل الدلتا، أو من البدو والأمازيغ وغيرهم، إلى جانب وجود لغة خاصة بأهل النوبة في الجنوب .