2026-03-07 14:06:06
مساحة إعلانية
أول مرة رأيت فيها السينما كانت في قريتي .. عندما عرضت الصحة فيلما لم أعد أذكر منه غير أنه كان يقول : كلوا فول .. كلوا عدس .. يومها ضحكنا نحن أطفال القرية على نصيحة الأفندية .. فنحن لا نأكل إلا الفول والعدس ..!! وتسللت إلى حوائط قريتنا بعد ذلك بسنوات ( أفيشات ) بعض الأفلام التي مثلها محمود المليجي وفريد شوقي مثل رصيف نمره خمسه ..
وكان أول مرة رأيت فيها فيلما كاملا حين كان عمري فوق الخامسة عشرة بقليل .. كنت قد أتممت المرحلة الإعدادية ، وأراد خالي (أحمد) رحمه الله مكافأتي ، فأخذني معه إلى المدينة التي يعمل بها ( أخميم ) لأرى خطيبته ،وأفسح يومين . تعرفت يومها على أول صحفي رأيته في حياتي ، ( مصطفى أبو عمر ) صاحب جريدة (الهادي) ومن قبلهاجريدة ( الوادي ).. وقال لي الشيخ مصطفى ، أن (مصطفى أمين) الصحفي الكبير وأخيه على تدربا عنده في جريدته (الوادي) على العمل الصحفي ،تلك الجريدة التي أغلقت بعد ذلك، لأنها لم تؤيد( الحركة المباركة) التي أعرفها باسم ثورة 23 يوليو 1952. لم تكن أخميم في حجم أسيوط التي زرتها من قبل .. ولا في نظافة أسيوط .. لكنها كانت أنظف من قريتي ومن البداري نفسها ..
خطيبة خالي التي صارت بعد ذلك زوجه وأنجبت له البنين والبنات .. كانت وأختها تلبسان الملابس الإفرنجية المبهرة للقرويين أمثالي .. كنت أخجل أن أنظر إلى امرأة غريبة أو فتاة حتى تلك اللحظة التي طلب مني خالي أن أذهب مع أخت خطيبته - وكانت في مثل عمري أو أصغر فليلا - إلى السينما ..
تعجبت .. فقد كنت أظن أن السينما تذهب إلى الناس كما في قريتنا .. لكني امتثلت لما قاله خالي كنت أحبه .. وكان يحبني .. وعندما رأى ما أكتبه من أشعار .. قال (مش بعيده تبقى عقاد) .. ولم أفهم من عقاد هذا .. المهم أنني ذهبت إلى السينما برفقة ابنة الشيخ مصطفى أبو عمر .. ولا أدري كيف لم يعترض عبد الرحمن ولا عبد الرحيم أخواتها ..(صحيح رباية بنادر .. !!) جالت بخاطري الجملة لكن حبستها، فنحن نرى أن أهل البندر لا يغارون على نسائهم مثلنا .. ودا عيب ..
كان الفيلم الذي لم أعد أذكر اسمه لأحمد رمزي ولبنى عبد العزيز .... لم أتابع مضمون الفيلم .. كنت منشغلا بالسحر الذي يجعل السيارات تنطلق نحونا ولا تصطدم بنا . أحببت السينما .. وداومت بعد ذلك على مشاهدة الأفلام خاصة عندما انتقلت للقاهرة للتعليم .. كانت التذاكر رخيصة .. وكنت أفضل أن أشتري تذكرة بدلا من الساندوتش ,, لم يدر بذهني أن أظهر على شاشة السينما مثل أحمد رمزي وفريد الأطرش ولا حتى اسماعيل باسين .. لكن السينما أصرت أن تأخذني .. على يد المخرج عاطف الطيب ..
كنا نعد مسرحية لعرضها على مسرح قصر ثقافة أسيوط .. لا أذكر الاسم لكن ربما كانت مسرحية ( شرم برم ) لكن ما أذكره أننا عندما أنهينا البروفة رأينا في قاعة المسرح ما لم يكن أحدنا يحلم به .. رأينا نور الشريف .. وبوسي .. وبعض الوجوه التي نراها على شاشة السينما .. تسللوا إلى القاعة في هدوء حتى لا ننشغل بهم عن البروفة ولسبب آخر عرفته فيما بعد .
انهلنا كالصقور لنحظى بالسلام ومصافحة نور الشريف .. الشاب الفاتن على الشاشة .. وبالحورية الجميلة بوسي .. تزاحمنا وسلمنا ورحبنا ثم قال مدير الثقافة ( صلاح شريت ) وهو يعثر في الراء كعادته الأستاذ نورالشريف والفنانة بوسي هيقعدوا معاكم بعدين .. لكن المخرج الكبير عاطف الطيب عايز يتكلم معاكم ..
عاطف الطيب عايز يتكلم معانا .. دا إحنا وصلنا عاد ..
كان عاطف شابا يبدو طيبا بالفعل .. ليس بالطويل .. هاديء خفيض الصوت .. أشار إلى بعضنا من أعضاء الفرقة بعد أن نظر في قصاصات بيده كنت من بينهم .. ثم قال .. أنا عايز الفرقه كلها .. إحنا بنصور في (لوكيشن) قريب .. في ( قال صلاح شريت ): في ريفا ... فيلم بطولة نور الشريف وبوسي وصلاح السعندي وتوفيق الدقن .. وحقوقكم محفوظه ..
ابتهجنا .. ربما كان طريقنا للشهرة.. والمال .. والمعجبين الأكثر ..!! في الموعد المحدد للتصوير ذهبت إلى موقع التصوير أتقمص شخصية الفنان الشهير .. كان التصوير يتم في قرية دون ديكور خاص، وفي منزل من منازلها .. حينما دخلت تسلمني الماكيير .. رأيته يضع صورة لوجهي رسمها عاطف الطيب .. بيده بقلم الحبر الأسود كما تصورني في ملابس الشخصية ( حلاق الصحة ) .. لبست وعملت المكياج ودخلت إلى مكان التصوير ...كان بالمكان الممثل (عبد الحفيظ التطاوي) يمثل دور والد الفنانة بوسي .. جلست معه .. كان يراجع الحوار الخاص به .. قال لي عاطف الطيب أن الحوار الذي سأقوله كذا .. وكذا .. كان المشهد عباره عن بوسي تنزل على السلم مريضة وكان علي أن أعطيها حقنة وأقول لها ألف سلامة .. وأتمنى لها الشفا .. دارت الكاميرا ونزلت بوسي تتساند على ممثل شهير وتلقاها أبوها ووقفت أشرع حقنة أخرجتها من حقيبتي ..وأن أقول لها ألف سلامة .. بسم الله ماشاء الله . وتقدمت لأعطي لها الحقنة .. كانت الجدية واضحة على ملامحي، حتى أن بوسي خافت أن أغرس فيها الحقنة فعلا .. فتراجعت وبدا عليها الخوف .. ونظرت حولها تبحث عن المخرج الذي أوقف التصوير .. قالت : إنت هتديني الحقنه بجد ..؟ ضحكت .. وقلت لها: طبعا .. قال عاطف الطيب : دا ممثل مسرح يا مدام .. داير .. دارت الكاميرا وأمسكت بذراعها ومثلت دوري في الإيهام بغرس الحقنة وبدا رد فعلها مقنعا وختمت حواري معها( بالشفا ..) وانتهى المشهد الأول .
كان الزملاء من أعضاء الفرقة يتابعون المشهد ويمسكون أنفسهم بالعافية عن الضحك ..بعدها استلمني الزملاء ..( أيوه يا عم .. مسكت إيد بوسي .. يا بختك ..) لم تكن الفنانة الكبيرة بالجمال الذي نراه على الشاشة بل لا أكتمكم سرا .. كانت رائحة السجائر التي تنبعث من حلقها وهي تتكلم معي ... تخرجني من حالة التمثيل التي كنت أحرص عليها . لم أقل لهم هذا بالطبع .. قلته لنفسي فقط ..
كان المشهد الثاني مع الفنان الكبير صلاح السعدني .. كان رجلا خفيف الروح ، في الفيلم كان اسطى مكنة الري في القرية ، ومن المفروض أن نتشاجر معا أنا وهو وأمسك به ويمسك بي ، وطبعا ممثل المسرح تكون حركته أقوى وربما مبالغ فيها ليراها المتفرج البعيد ، لكن في السينما الأمر أدق وأرق . عفقت صلاح السعدني من رقبته .. قال هو لا المخرج ( ستوب ) ثم قال لي برقة ( يا صديقي ..إحنا بنمثل ) .. وفهمت أنني بالغت في الحركة .. وصورنا المشهد على خير .. وانصرفنا ..
كان هذا فيلمي الأول والأخير .. ( الزمار ) .. كنت وما زلت فخورا بأنني عملت ولو لدقائق مع فنانين حقيقيقيين .. عاطف الطيب .. وبوسي .. وصلاح السعدني .. وغيرهم .. وأشفقت كثيرا على نور الشريف الذي كان شاحبا .. يحمل ابتسامته دائما .:. لم أكن وحدي من مثل في في فيلم الزمار .. لكن معظم أعضاء فرقة أسيوط القومية المسرحية ..
3 ديسمبر 2020