مساحة إعلانية
(حرص المسلمون على استعادة البلاد العربية التي احتلها الروم،وحاولوا فتح القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومية الشرقية. وكانت أولى هذه المحاولات في عصر الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، الذي أرسل جيشاً تحت قيادة ابنه يزيد بن معاوية ،ولحق بجيشه عدد من خيرة الصحابة منهم، عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبو أيوب الأنصاري-رضوان الله عليهم-الذي أجار النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيته بالمدينة المنورة . وعند أسوار القسطنطينية دارت رحى المعركة فحاصرها المسلمون حصارا طويلاً وقاتلوا الروم المدافعين عن المدينة .وقال أبو أيوب الأنصاري-رضي الله عنه- لقائد الجيش المسلم يوصيه : " إذا مت فانغمسوا بي في أرض العدو حتى إذا بلغتم أقرب مكان منهم فاحفروا لي قبرا ، وادفنوني فيه " .وأنطلق أبو أيوب فاخترق صفوف العدو وقاتل حتى استشهد ، وصلى عليه المسلمون ونفذوا وصيته .وفي عهد الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك ، حاصر المسلمون القسطنطينية سنة 98هـ حصاراً طويلاً وألقوا الرعب في قلوب الروم ، لكن حصون المدينة وقسوة شتائها وإحاطتها بالمياه حالت دون اقتحامها . وعندما مات الخليفة سليمان بن عبد الملك ، وخلفه أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أرسل إلى القائد مسلمة بن عبد الملك قائد الجيش يأمره بسحب الجيش وعودته .وفي سنة 617هـ وبعد الاجتياح المغولي لبغداد وشرق آسيا الصغرى ، هاجرت قبيلة تركمانية كانت تزاول حرفة الرعي واستقرت في الأناضول ، وأنجب سليمان شاه زعيم هذه القبيلة عدداً كبيراً من الأبناء ،وأسس حفيده عثمان دولة قوية عرفت بالدولة العثمانية ، وظل يتوسع في الجهات المجاورة لإمارته حتى أسس هو وأحفاده من بعده إمبراطورية واسعة مترامية الأطراف .ومن أشهر أحفاده السلطان محمد الثاني الذي لقب بمحمد الفاتح والذي أعده أبوه السلطان مراد الثاني منذ صغره وأرسله لمعلميه فحفظوه القرآن الكريم ودرسوه السيرة والحديث والتفسير وعلموه التاريخ والرياضيات والعلوم واللغات فنشأ تقيا ورعا يعطف على الفقراء، ويحكم بين الناس بالعدل . وعندما توفى أبوه السلطان مراد الثاني ،تولى السلطان محمد الفاتح مقاليد الحكم ، وعمره يومئذ 22 عاماً . ولأنه عرف بذكائه وشجاعته كون جيشاَ قوياً ومدرباً على أحدث أساليب القتال ليستعد لفتح القسطنطينية. وكان القائد الشاب يردد الحديث النبوي الشريف الذي ذكره به أحد معلميه والذي رواه الإمام أحمد في مسنده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لتفتحن القسطنطينية فلنعم الأمير أميرها ولنعم الجيش ذلك الجيش ) . والقسطنطينية مدينة ذات موقع فريد جعلها أكبر مدن العالم ، وأقواها تحصينا، وتحيط بها المياه من ثلاث جهات حيث تطل على مضيق البوسفور وبحر مرمرة والقرن الذهبي الذي أحاطه الروم بسلسلة حديدية ضخمة جداً تمنع عبور السفن لمدخله . وكانت قلاع المدينة وأسوارها وحصونها تحول دون اقتحامها .وراح القائد الشجاع محمد الفاتح يتفقد أحوال جيشه المنظم الذي بلغ عدده 250 ألف مقاتل ، واستعد للمعركة الحاسمة ، فبنا قلعة عالية عند مضيق البوسفور ، وأحضر مهندسا مجريا ليصنع له عدداً من المدافع الحديثة فأتم تصنيعها في مدة وجيزة ، وأشهرها المدفع السلطاني العملاق . واهتم ببناء الأسطول فبنا سفنا مجهزة تأهباً للمعركة البحرية القادمة . وتحرك جيش الفاتح من مدينة أدرنة إلى أسوار القسطنطينية في يوم الخميس 26 ربيع الأول 857هـ/ 6 أبريل 1453م ، وخطب في جيشه خطبة حماسية حث جنوده فيها على الجهاد والصبر، وذكرهم بالحديث النبوي الشريف الذي يبشر بفتح المدينة ،واختار القائد المؤمن كلمة سر الجيش وهي : " لبيك أبا أيوب " تبركا بهذا الصحابي الجليل الذي استشهد عند أسوار المدينة ، وأصر على دفنه فيها لثقته في النصر القادم . ونادى القائد الفاتح بصوته المدوي : " لبيك أبا أيوب " .. فانطلق الجيش نحو حصون القسطنطينية بينما المدافع العملاقة تطلق قذائفها المدوية تدك أسوار المدينة و تحرق سفن الروم البيزنطيين فأوقعت في قلوبهم الرعب ، ودافع الروم بقيادة قائدهم " جوستنيان " عن أسوار المدينة ولم تستطع السفن العثمانية اختراق السلسلة الضخمة التي تتحكم في مدخل القرن الذهبي ، وهنا فكر القائد الذكي محمد الفاتح فوضع خطة سريعة لنقل السفن إلى مياه القرن الذهبي لكسب المعركة ، فأمر جنوده بتسوية الأرض وإحضار ألواح خشبية دهنوها بالزيت والشحم ورصوها على الأرض الممهدة ، وجروا السفن من مياه البوسفور إلى البر وسحبوها على الأخشاب المدهونة لمسافة ثلاثة أميال . وفي ليلة واحدة تمكن الجنود من جر سبعين سفينة وأنزلوها ببراعة في مياه القرن الذهبي ، وهنا أصيب الروم بالذعر من هول المفاجأة فضعفت روحهم المعنوية . وانطلقت المدافع العملاقة من أعلى التلال القريبة من البوسفور والقرن الذهبي تطلق قذائفها نحو السفن البيزنطية والإمدادات القادمة من أوربا فأحرقت سفنا كثيرة وقتلت أعدادا غفيرة من الجنود البيزنطيين حتى " جوستنيان" قائد الجيوش البيزنطية نفسه ، أصابته جروح خطيرة ففر من ساحة المعركة وتركها هاربا . وتولى الإمبراطور " قسطنطين " قيادة الجيوش بنفسه وقاتل دفاعا عن المدينة،ولكنه قتل عند أسوارها ،فانهارت روح الجنود البيزنطيين المعنوية ،بينما ارتفعت الروح القتالية للجنود المسلمين الذين حاصروا المدينة وقاتلوا لمدة شهر ونصف واستشهد منهم عدد كبير . واقتحم الجنود أسوار المدينة ورفعوا رايات النصر على أبراجها الشمالية . وفي يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى 857هـ/ 29 مايو 1453م كان القائد البطل محمد الفاتح في قلب القسطنطينية، يحف به جنوده يهنئونه بالنصر فيبتسم لهم قائلا : لقد أصبحتم فاتحي القسطنطينية الذي أخبر عنهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وهنأهم بالنصر ونهاهم عن القتل وأمرهم بالرفق بأهل المدينة .ونزل عن جواده وخر على الأرض ساجدا وشكر الله تعالى أن أتم عليه الفتح العظيم ،وأقبل على كنيسة " أيا صوفيا " فطمأن رهبانها وتركهم يكملون صلاتهم وأمر جنوده بحسن معاملتهم،وعندما اقتربت صلاة العصر أذن أحد المسلمين للصلاة ،وصلى السلطان وجنوده صلاة العصر في الكنيسة التي تحولت إلى مسجد . وازدهرت القسطنطينية وظلت عاصمة للإمبراطورية العثمانية حتى سنة 1923م وتغير أسمها بعد ذلك إلى " استانبول" ونقل الأتراك عاصمتهم إلى " أنقره "، ولا تزال استانبول من أجمل المدن وأكثرها عراقة في التاريخ).
"من سلسة : " من أبطال الإسلام"-عشرة أجزاء –تاريخية مصورة للأطفال-صدرت عن دار جنى للنشر-القاهرة،العام 2010م
