مساحة إعلانية
المواطنة الرقمية والهوية الثقافية: صراع الانتماء بين المحلي والكوني
ملخص الدراسة
تتناول هذه الدراسة إشكالية التحولات التي طرأت على مفهومي المواطنة والهوية في ظل الثورة الرقمية. تسعى للإجابة عن سؤال مركزي: كيف يعيد الفضاء الرقمي تشكيل انتماءات الفرد بين جذوره المحلية وتطلعاته الكونية؟ اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي مع مقاربة سوسيولوجية نقدية. خلصت إلى أن المواطنة الرقمية خلقت هوية هجينة "متشظية" يعيش فيها الفرد صراعاً دائماً بين قيم مجتمعه الأصلي والقيم الكونية السائلة للشبكة.
الكلمات المفتاحية: المواطنة الرقمية، الهوية الثقافية، العولمة، الفضاء الافتراضي، الشباب، الانتماء.
لم تعد المواطنة حبيسة الحدود الجغرافية للدولة القومية. الفضاء الرقمي أنتج "دولة افتراضية" لها مواطنوها وقوانينها الرمزية وقيمها الخاصة. هذا الفضاء يضع الفرد العربي، والمغربي تحديداً، أمام مأزق وجودي: هل أنا ابن قبيلتي وحيي ومدينتي، أم أنا "مواطن عالمي" منتمٍ لقيم حقوق الإنسان والنسوية والبيئة التي تروج لها الشبكة؟
الإشكالية: إلى أي مدى تساهم المواطنة الرقمية في تفكيك الهوية الثقافية المحلية وإعادة إنتاج هوية كونية جديدة؟ وهل نحن أمام صراع استبدالي أم حالة تعايش وتفاوض
مستمر؟
فرضيات الدراسة:
2.1 المواطنة الرقمية Digital Citizenship
مفهوم تجاوز البعد التقني لاستخدام الإنترنت. يعرفه Mike Ribble بأنه "معايير السلوك الملائم والمسؤول فيما يتعلق باستخدام التكنولوجيا". لكن سوسيولوجياً، هي شكل جديد من العقد الاجتماعي الافتراضي. المواطن الرقمي له حقوق: الوصول، التعبير، الخصوصية. وعليه واجبات: احترام الآخر، التحقق من الأخبار، المشاركة المدنية.
2.2 الهوية الثقافية في زمن السيولة
نستند إلى أطروحة Zygmunt Bauman عن "الحداثة السائلة". الهوية لم تعد معطى صلباً نورثه من الأسرة والقبيلة، بل مشروعاً سائلاً نعيد تشكيله كل يوم عبر البروفايل والستوري والمشاركات. Manuel Castells يسميها "هوية المقاومة" و "هوية المشروع" في كتابه قوة الهوية. الفرد يفاوض بين ما يفرضه المجتمع المحلي وما تتيحه الشبكة من نماذج هوياتية لا متناهية.
2.3 جدلية المحلي والكوني Glocalization
مفهوم Roland Robertson "العلمنة" أو "الكوني المحلي". لا يوجد إلغاء تام للمحلي، بل هناك إعادة إنتاج له بصبغة كونية. مثال: شاب طنجاوي ينشر "الطاجين" على إنستغرام لكن بهاشتاغات #foodporn و #moroccan_cuisine ويخاطب جمهوراً عالمياً. المحلي أصبح سلعة استهلاكية في السوق الكوني.
3.1 اللغة: صراع بين الدارجة والإيموجي ولغة الميمز
الفضاء الرقمي فرض لغة هجينة. "العربية-التكنو" المكتوبة بحروف لاتينية وأرقام: 3ndk, cv, hmd. هذه اللغة تضعف العلاقة باللغة الأم الفصحى كحامل للهوية، لكنها في نفس الوقت تخلق هوية شبابية محلية جديدة متمردة على الرسمي. الإيموجي أصبح لغة كونية تتجاوز المحلي.
3.2 القيم: صدام بين "الحشومة" و "الترند"
قيم "الحشومة" و "العار" و "كلام الناس" التي تضبط السلوك في الفضاء المحلي تصطدم بقيم "الشهرة" و "الشفافية" و "كسر التابوهات" في الفضاء الرقمي. ظاهرة "روتيني اليومي" نموذجاً: تصوير الفضاء الخاص الحميمي كان عيباً، أصبح الآن مصدر دخل ورأسمال رمزي. هنا يحدث الصراع داخل الفرد نفسه.
3.3 الممارسات الاحتفالية والطقوس
الأعياد الدينية والوطنية. سابقاً كانت طقساً جماعياً مغلقاً. الآن أصبحت محتوى. العيد يعاش مرتين: مرة في البيت مع الأسرة، ومرة على الستوري مع المتابعين. الطقس المحلي يُؤدى ليعرض على الجمهور الكوني. هذا يفرغه من بعده الروحي ويحوله إلى "استعراض للهوية".
تم إجراء 30 مقابلة معمقة مع شباب من 18-30 سنة.
*مؤشر الانتماء* *النسبة التي تعبر عن صراع* *أبرز التعبيرات*
*اللباس* 78% "كنلبس قفطان فالمناسبات وستايل كوري فالزنقة"
*الزواج* 65% "بغيتها تكون متفتحة ولكن متقبلش عائلتي"
*الموقف من الحريات الفردية* 82% "أنا مع الحرية ولكن حشومة نديروها فحومتنا"
*مصدر القيم* 71% "كنتعلم من يوتيوب كثر من الواليد"
النتيجة: الأغلبية لا تعيش قطيعة مع المحلي، بل تعيش "ازدواجية معيارية". تستخدم خطابين: خطاب كوني حداثي على السوشيال ميديا، وخطاب محافظ تقليدي داخل الأسرة. هذه "الهوية التفاوضية" تسبب قلقاً وجودياً واغتراباً عند الشباب.
الخطر ليس في الكوني، بل في الاستهلاك السلبي له. الحل ليس في الانغلاق والرقابة، بل في "التمكين الرقمي الثقافي".
المواطنة الرقمية لم تقتل الهوية الثقافية المحلية، لكنها وضعتها في حالة "سيولة تفاوضية دائمة". الصراع بين المحلي والكوني لم يعد صراعاً صفرياً، بل صار سمة بنيوية للهوية في القرن 21. التحدي أمام الباحث والدولة هو كيف نحول هذا الصراع من مصدر قلق واغتراب إلى مصدر إبداع وإنتاج هوية مغربية جديدة، متجذرة وواثقة، قادرة على محاورة الكوني دون الذوبان فيه.
*يوسف اسونا استاذ باحث في كلية علوم التربية -جامعة محمد الخامس الرباط.
*مراجع