مساحة إعلانية
خاص – منبر التحرير
تلك الأضواء البعيدة هو عنوان الرواية الجديدة للأديبة آلاء أحمد عبد السلام , تتشابه حكايات أبطال الرواية في جوهر الألم وتتنافر في سببه ، فمعظمهم يعاني من عدم الفهم والتخبط واليتم المبكر, وتتعرض الرواية لتأثير ذلك على اختياراتهم ، وقراراتهم و الشخصيات التي أصبحوا عليها . كما تناقش التطلع للبعيد والشغف به.
وتثير الرواية العديد من التساؤلات في عقل القارئ وهل يجب علينا أن نصل لكل بعيد أم يكفي أن نقطع الطريق إليه داخلنا ؟ وماهي العقبات التي يجب أن نتخطاها في سبيل الوصول إلى أنفسنا ومعرفة الحقيقة , وما هو الحل لمآسينا النفسية الناتجة عن تلك الحقيقة وكيفَ نتخلص منها ، وهل الهرب هو الحل ؟
ومن أجواء الرواية :
(أكتبُ إليكِ لأنني لا أجدُ بُدًّا من هذا، طوالَ عمري وأنا أرى أن الكتابةَ فعلُ خَلاص، بعضُ الناسِ يعبرون عن مشاعرهم بالأفعال وبعضهم لا يجدون أمامهم غيرَ الكتابة لتنوب محلَ الفعل في التعبير عما لا يطيقون تحمله، وقد قُضي علي أن أكون من النوعِ الثاني. اليوم أتيتُ من عند خالك خالية الوفاض، وكأن ضلعًا لي قد انكسر في تلك اللحظة التي قلتِ فيها أنكِ تكرهينني، وبالرغم من أني أستحق هذا إلا أن قولكِ ذبحني، تلك الكلمة سلطتْ النيرانَ على جرحٍ في داخلي لا يبرأ. لو أعطيتني فرصة واحدة للشرح لا للتبرير، أعلم أن التبرير لا داعي له، سيكونُ مبتذلًا وسخيفًا أمامَ غلطتي. لو حكينا للناسِ عنها لبصقوا علي، وسأتقبل احتقارهم راضية. عندما رجعتُ إلى البيت انكفأتُ على الفراشِ أبكي بحرقة، دخل باسم فرمقني بضجر:
_ كالعادة تبكين، لقد سئمتُ من هذا الغم. التقطَ مفاتيحه وجاكيته وخرج بلا مبالاة.
نهضتُ من الفراش واتجهتُ إلى المرآة أتأمل نفسي، هذا الجمال الملوث بالحزن، شعرٌ أسود كثيف يفترش ظهري بالكامل، عينان عسليتان تحت حاجبين مقوسين جميلين، أنفٌ حاد وشفتان مغريتان بالقطاف، إنها ملامحكِ أنتِ يا حبيبتي. لقد أخذتِ مني كلَ شيء ولو أني أعلم أنك ستنكرين هذا بشدة، ليست فقط ملامحي وإنما أستطيع أن أجزم أنكِ أخذتِ رهافة قلبي واندفاعي وانكساري، لقد أرضعتكِ الحزنَ مع حليبي، فأصبح بيني وبينكِ رباطٌ لا ينفك حتى لو لم تشعري به.
تسألينني عن سبب كل هذا الحزن، قصة قد تحدث مع كثيرٍ من الناس ولكن أثرها علي وعليكِ مختلف، أبٌ غنيٌ قاسٍ وأخٌ لا مبالٍ بأي شيء وبنت يتيمة الأم، تلك هي أنا، ماتت أمي وهي تلدني، لذلك أصبحَ حلمي الأكبر منذُ وعيتُ على الحياة أن يصبح لي ابنة، ابنة أصبُ عليها كل حناني، أنتِ كنتِ حلمي يا صغيرتي، هل تظنين بعد هذا الاعتراف أنني تعمدتُ خسارتك؟! ليتني خسرتُ قلبي ولم أخسرك، ولكنني اعتدتُ أن تضعني الحياة دومًا بين اختيارين كليهما جحيم. ماذا أفعل؟! أعرفُ أنكِ لن تفهمي ما أقصده، فلا يشعر بالشاةِ المذبوحة إلا من أحس بالسكين الحاد على عنقه، وأنا لا أريدُ لكِ هذا الإحساس أبدًا، أودُ دومًا لو تحصلين على ما لم أحصل أنا عليه. لذلك وقفتُ في وجه خالك عندما أراد –للمرة الثانية– تخريبَ حياة كاملة لأنه لا يزن الأمور إلا من الناحية المادية فحسب، أظنكِ الآن قد خمنتِ ما حدث معي، ولكنني سأحكي لكِ لأنني أحتاجُ إلى الحكي حتى لو لم تقرئي.
أذكرُ أنني يومًا كنتُ فتاة عادية تشعر بالفرحِ كما تشعر بالحزن، وبالأمل كما تشعر باليأس قبل أن أتحول إلى تلك الصورة الكئيبة التي تبكي باستمرار حتى نفر منها أقرب الناس.
عشتُ في القرية مع أبي وأخي، قرية صغيرة لا داعي لذكر اسمها فهي غير معروفة على أي حال ولكنها من تلك القرى التي يسكنها بيت واحد كبير حوله بيوتٌ صغيرة، صاحب هذا البيت يملك معظم الأراضي التي حوله إن لم يكن كلها والباقي أسرٌ صغيرة تعمل عنده. جدي هو الباشا الذي ملك كل هذا واستطاع بطرقٍ ملتوية أن يفلت من تقسيم الثروات بعد ثورة يوليو وكتب كل ما يملك قبل وفاته لابنه الذي يعيش في أوروبا من زوجته الأجنبية، متغافلًا عن نصيب الابن الذي يعيش في غرفةٍ صغيرة مع أمه الفلاحة البسيطة التي قُضي عليها أن تحمل منه في ليلةٍ سوداء من غير وعي منه فيتزوجها ليتحاشَ غضب الأهالي....)
هذا وجدير بالذكر ان المبدعة آلاء أحمد عبد السلام كاتبة مصرية وفنانة تشكيلية شاركت في العديد من المعارض الدولية والمحلية , حاصلة على بكالوريوس صيدلة ودبلوم إدارة مستشفيات ٢٠٢٣ ودبلوم إرشاد نفسي وأسري ٢٠٢٤ , شاركت في العديد من المسابقات الأدبية وحصلت على جائزة الأديب يحيى الطاهر عبد الله للعمل القصصي الأول ٢٠٢١ ونشرت مجموعتها القصصية " اللمعة في عينيه" ثم روايتها الأولى " حكايات ستي عزيزة " ٢٠٢٣ وأشاد بها النقاد والقراء وهذه الرواية هي عملها الروائي الثاني.