مساحة إعلانية
تقرير / صابر جمعة سكر.
في واحدة من أهم الدراسات القانونية التي تناولت ضمانات العدالة الجنائية، قدّم الأستاذ الدكتور محمود محمود مصطفى، العميد الأسبق لكلية الحقوق بجامعة جامعة القاهرة، بحثًا قانونيًا بالغ الأهمية بعنوان «حقوق المتهم في الدستور المصري والدستور المقارن»، نشرته مجلة مصر المعاصرة عام 1979، ليظل حتى اليوم من أبرز ما كُتب حول حماية حقوق الإنسان داخل منظومة العدالة الجنائية.
ركزت الدراسة على قضية جوهرية تمس كل مواطن، وهي حقوق المتهم أثناء التحقيق والمحاكمة، مؤكدة أن النصوص القانونية وحدها لا تكفي لحماية الحريات إذا لم تقترن بضمانات وإجراءات واضحة تمنع التعسف وتُلزم السلطة باحترام القانون. فوجود الحق على الورق لا يعني بالضرورة وجوده في الواقع، ما لم تكن هناك آليات حقيقية تضمن تطبيقه.
وانتقد الباحث الاكتفاء بالنصوص الدستورية العامة التي تعلن حماية الحقوق دون أن تحدد وسائل عملية لحمايتها، موضحًا أن الضمانات القانونية قد تتحول إلى مجرد شعارات إذا غابت الإجراءات التي تمنع انتهاكها، وهو ما يجعل الحرية نفسها عرضة للتقييد بدلًا من الحماية.
كما تناولت الدراسة بعض المواثيق الدولية بالنقد، مشيرة إلى وجود قصور في بعض النصوص التي لم تميز بدقة بين المبادئ النظرية وبين وسائل التطبيق العملي، الأمر الذي قد يؤدي إلى إضعاف الحماية القانونية المقررة للمتهم.
وأكد الدكتور محمود مصطفى في هذا البحث ، أن استقلال القضاء يمثل حجر الأساس في تحقيق العدالة، لأن أي نظام قضائي لا يتمتع بالاستقلال الكامل يفقد قدرته على حماية الحقوق والحريات، ويصبح عاجزًا عن التصدي لأي تجاوزات قد تقع أثناء مراحل التحقيق أو المحاكمة.
وتطرقت الدراسة أيضًا إلى مبدأ المساواة أمام العدالة، موضحة أن تحقيق محاكمة عادلة يتطلب وجود توازن حقيقي بين سلطة الاتهام وحقوق الدفاع، بحيث لا يكون المتهم في موقف أضعف أمام أجهزة التحقيق، وإنما يتمتع بكامل الضمانات التي تمكنه من الدفاع عن نفسه بصورة متكافئة.
وفي حديثه عن قرينة البراءة، شدد الباحث على أن الأصل في الإنسان البراءة، وأن عبء إثبات الجريمة يقع كاملًا على جهة الاتهام، فلا يجوز مطالبة المتهم بإثبات براءته، لأن العدالة الجنائية تقوم على مبدأ أساسي هو أن الشك يفسر دائمًا لصالح المتهم.
واختتم الباحث دراسته بعدد من التوصيات المهمة، أبرزها ضرورة وضع حدود زمنية واضحة للقبض والحبس الاحتياطي، وحظر جميع صور التعذيب أو الإكراه النفسي والجسدي، مع ضرورة توفير ضمانات قانونية تمنع إساءة استخدام السلطة أثناء التحقيقات.
ورغم مرور عقود على نشر هذه الدراسة، فإنها ما زالت تمثل مرجعًا قانونيًا مهمًا، لأنها أكدت حقيقة أساسية لا تتغير بمرور الزمن: أن العدالة لا تتحقق بمجرد النصوص، وإنما تتحقق عندما تصبح حقوق المتهم مصونة بالفعل، ويحكم القانون الجميع دون استثناء... والي الآن نري أن النيابة العامة تميل إلى سلطة الإتهام علي حساب إظهار الحقيقة الكاملة في بعض القضايا.