مساحة إعلانية
ألقى رئيس جمهورية كازاخستان قاسم-جومارت توقايف، خطابه السنوي في 9 فبراير 2026، أمام المجلس الوطني "قرولطاي" في مدينة قيزيلوردا التاريخية التي تعد المكان المقدس للقازاق. حيث اعتاد الرئيس توقايف أن يلقى خطاباته السنوية في بداية كل عام أمام قرولطاي "المجلس الوطني" في أحد المدن التاريخية في البلاد، فقد ألقى الخطاب الأول في مهد الأمة القازاقية مدينة أوليتاو. أما الخطاب الثاني فكان في المركز الروحي للعالم التركي مدينة تركستان. والثالث في منطقة أتراو الفريدة. والخطاب الرابع في مدينة كوكسيتاو التاريخية. وقد شكل الخطاب أهمية كبيرة لما تضمنه من قرارات مهمة سواء ما يتعلق منها بعملية الإصلاح السياسي الذي بدأها الرئيس توقايف، أو ما يتعلق بالقطاع الاقتصادي والنقل واللوجيستيات، أو ما يتعلق بالقطاع الثقافي.
بدأ الرئيس توقايف خطابه بالحديث عن منطقة قيزيلوردا كمنطقة تاريخية وثقافية وعاصمة لكازاخستان قبل قرن من الزمان، كما تناول المشروعات الكبيرة التي تمت في المنطقة باستثمارات كبيرة، خاصة مشروعات الطاقة، وتحديث البنية التحتية، ومطار كوركيت آتا، والسكك الحديدية. ثم تحدث عن التطورات في منطقة بحر آرال وما يتعرض له من مشاكل بيئية خطير ناتجة عن نقص الموارد المائية التي تصب في البحر المغلق ما أدي إلى جفافه. واستعرض الجهود المحلية والإقليمية التي تبذل لإحياء بحر آرال الصغير بهدف تحقيق مزيد من التقدم المستدام في جميع أنحاء المنطقة.
تحدث الرئيس قاسم جومارت توقايف عن اقتصاد كازاخستان، وقال أنه نما بنسبة 6.5%. وتجاوز الناتج المحلي الإجمالي 300 مليار دولار، ولأول مرة في تاريخ الاستقلال، وصل معدل نصيب الفرد 15 ألف دولار. وارتفعت أصول الصندوق الوطني من العملات الأجنبية بمقدار 5 مليارات دولار. وتجاوزت احتياطيات البلاد من الذهب والعملات الأجنبية 65 مليار دولار. واقتربت حصة الأعمال الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد من 40%. ووصل عدد سكان كازاخستان إلى حوالي 20.5 مليون نسمة.
حظي التراث الثقافي بأهمية كبيرة في خطاب الرئيس توقايف، وهو ما يؤكد على اعتزاز كازاخستان بتراثها الثقافي والحضاري وأصولها التاريخية العريقة، إذ أشار الرئيس إلى إدراج المخطوطة الثمينة خاندان شيجيريسي "أصل السلالات الحاكمة" في السجل الدولي لذاكرة العالم التابع لليونسكو. وإلى تقديم كازاخستان طلبًا لإدراج "المساجد تحت الأرض" في مانجيستاو ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، خلال اجتماعات لجنة التراث العالمي في بوسان بكوريا الجنوبية، صيف هذا العام. حيث تحتل كازاخستان مكانة ضمن أفضل 25 دولة على مستوى العالم من حيث عدد عناصر التراث الثقافي غير المادي المدرجة من قبل اليونسكو، إلى جانب امتلاك كازاخستان العديد من المواقع التاريخية والمخطوطات الثمينة ذات القيمة التعليمية والثقافية العميقة. مثل مسجد جاركنت، المبني بالكامل من الخشب، بتعاون مشترك بين المعماريين الصينيين والحرفيين الأويغور. وكاتدرائية الصعود في ألماطي. ونقوش كاراتاو الصخرية. التي تعود إلى أربعة آلاف عام. كما يتم العمل على إدراج نحو 17 ألف نقش صخري في ساويسكانديك بمنطقة قيزيلوردا، وموقع أرپا أوزين في منطقة تركستان. في قائمة التراث العالمي لليونسكو.
كما أشار الرئيس توقايف إلى أهمية تعاليم أباي، باعتبارها صالحة عبر الزمن، وتشكل جوهر هوية وكيان كازاخستان الوطني. حيث يتناغم مفهوم أدال آزامات "المواطن المسؤول" مع فكرة المفكر عن توليك آدم "الشخص الكامل". ولذلك يتم العمل على إدراج "كلمات التهذيب" لأباي في سجل ذاكرة العالم لليونسكو. كما أن تعاليم الفارابي ويسوي تمثل أيضًا ركائز الروح الوطنية لكازاخستان. ولذلك يتم العمل أيضًا على الترويج الواسع لتراث الفارابي ويسوي وأباي. لأن أعمالهم تشكل أساس الهوية الروحية والفلسفية للأمة. وتهدف الحكومة إلى الحفاظ على تراثهم الوطني الثمين ونقله إلى الأجيال القادمة. وأشار الرئيس توقايف إلى أهمية إنشاء مستودع وطني للذاكرة والمعرفة "التراث الرقمي الوطني". حيث تشكل معرفة الماضي ورؤية واثقة للمستقبل باعتبارهما ضمان تقدم البلاد المستمر وتكوين روح المواطنة النشطة.
أهم ما جاء في خطاب رئيس كازاخستان قاسم جومارت توقايف، هو التحديث السياسي الشامل، وركيزته الأساسية الإصلاح البرلماني والذي بدأ الحديث عنه منذ ستة أشهر. حيث يقوم على الانتقال إلى برلمان أحادي المجلس يحمل اسم "كرولطاي"، وإنشاء مجلس الشعب، واستحداث منصب نائب الرئيس، إذ إن المعنى التاريخي وجوهر اسم "كرولطاي" مألوفان لشعب كازاخستان. وقد تم طرح مبادرة إحياء جلسات كرولطاي عام 2022 ليكون رمز لمؤسسة دولة ذات أهمية استثنائية. على أن يتكون من 145 مقعدًا برلمانيًا، يتم انتخابهم بنظام الانتخاب الفردي. ويكون لرئيسه ثلاثة نواب، ولا يتجاوز عدد اللجان ثمانية لجان. ويتمتع البرلمان الجديد بصلاحيات تشكيل المحكمة الدستورية، وديوان المحاسبة العليا، ولجنة الانتخابات المركزية. على أن يتم تعيين جميع أعضاء هذه المؤسسات الرئيسية بموافقة البرلمان حصرًا. كما ينتخب البرلمان جميع قضاة المحكمة العليا بعد ترشيحهم من رئيس الجمهورية.
تتضمن الاصلاحات البرلمانية إلغاء جميع المعيين بالمجلس، وإلغاء الحصة الخاصة بجمعية شعب كازاخستان. ولكن مع الابقاء على الحصص الخاصة بتمثيل الشباب والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة ضمن انتخابات الأعضاء. وذلك للالتزام بمبدأ العدالة الاجتماعية. مع الإبقاء على نسبة 5٪ كحد أدني لدخول الأحزاب البرلمان، وذلك بعد أن سهمت تلك النسبة لدخول ستة أحزاب سياسية البرلمان لأول مرة في تاريخ البلاد. وتكون مدة انتخاب النواب خمس سنوات، مع اعتماد آلية من ثلاث مراحل لإصدار القوانين "الموافقة الأولية على مشروع القانون، اعتماد التعديلات، إقرار القانون".
تضمن الإصلاح السياسي إنشاء "مجلس الشعب الكازاخستاني"، على أن يحافظ على الاستمرارية الاستراتيجية فيما يتعلق بوظائف جمعية الشعب وكرولطاي. ويكون المجلس هيئة استشارية عليا، تشمل جميع الجماعات العرقية والسكان والمناطق، ويتكون من 126 عضوًا "42 من الجمعيات الثقافية العرقية، 42 من الجمعيات العامة الكبرى، 42 من الهيئات الإدارية المحلية والمجالس العامة الإقليمية". ويعين رئيس الجمهورية جميع أعضاء المجلس، بينما يُنتخب رئيس المجلس من قبل الأعضاء، ويكون له نائبان يتم تعيينهما بالتناوب وبالطريقة التطوعية.
كما يقضي الإصلاح السياسي إنشاء منصب نائب رئيس جمهورية كازاخستان، وتكريسه دستوريًا. إذ يُعيَّن نائب الرئيس من قبل رئيس الجمهورية بموافقة البرلمان، وبأغلبية بسيطة من الأصوات. ويُحدد رئيس الدولة نطاق صلاحيات نائب الرئيس. ومن المتصور، بتكليف من الرئيس، أن يتولى نائب الرئيس، تمثيل جمهورية كازاخستان في المحافل الدولية والمفاوضات مع الوفود الأجنبية؛ وتمثيل الرئيس في البرلمان؛ والتفاعل مع المنظمات الاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية والتعليمية داخل البلاد وخارجها؛ وتنفيذ مهام أخرى يكلّف بها من قبل رئيس الجمهورية.
كان من المفترض أن يشمل الإصلاح البرلماني نحو 40 مادة من مواد الدستور. لكن تبيّن أن عدد التغييرات سيكون أكبر بكثير. خاصة أن إصلاحات عام 2022 شملت تحديث 33 مادة دستورية. أما التغييرات المقرر تنفيذها فهي أوسع نطاقًا بكثير. حيث تعادل هذه الإصلاحات اعتماد دستور جديد. ولذلك فقد تم إنشاء لجنة دستورية تضم أكثر من 100 عضو من المشاركين في كرولطاي الوطني، ومن كبار علماء القانون، ومديري وسائل الإعلام، ورؤساء الهيئات الإدارية المحلية، وممثلي المجالس العامة الإقليمية، وغيرهم من المتخصصين. وسيتولى رئاسة أعمال اللجنة رئيس المحكمة الدستورية.
بإقرار الإصلاح البرلماني، واستحداث منصب نائب رئيس الجمهورية، تكون اكتملت عملية التحديث السياسي الشامل في كازاخستان، وذلك بعد حزمة الإصلاحات الدستورية التي تمت عام 2022. حيث يهدف ذلك التحديث إلى دخول كازاخستان مرحلة جديدة في تاريخها الحديث. وبناء كازاخستان الحديثة.

