مساحة إعلانية
يعد شعب أذربيجان من أكثر الشعوب التي تعرضت للمحن والاضطهاد على مر التاريخ. ومن بين هذه المحن القاسية، مذبحة خوجالي، فمع بداية عام 1992 بلغ عدد المقاتلين الأرمن في قراباغ ستة آلاف مقاتل ضمن قوات الدفاع الذاتي الخاضعة للجنة الدفاع، وزادت تلك القوات من ترسانتها ومعداتها العسكرية على حساب القوات السوفيتية التي انسحبت لافساح المجال للأرمن الذين هاجموا المدن والقري. وفي مساء 25 ليلة 26 فبراير 1992 تحركت القوات المسلحة الأرمينية بمساعدة فوج المشاه ميكانيكي 366 السوفيتي صوب خوجالي وتم محاصرتها، ومع الساعات الأولي من فجر 26 فبراير تم الهجوم وتدميرها علي نطاق واسع، وارتكبت القوات المسلحة الأرمينية "مذبحة خوجالي"، التي راح ضحيتها 613 شهيدًا من السكان العزل، بينهم 106 إمرأة، 63 طفلا، 70 شيخًا مسنًا، وتم القضاء علي ثماني أسر بشكل تام ما يمثل إبادة جماعية، وبالإضافة إلي ذلك تم اعتقال 1275 شخصًا من بينهم 150 شخصًا لا يُعرف مصيرهم حتي الآن. وفي أثناء ذلك الهجوم تُرك حوالي ثلاثة آلاف من سكان القرية البالغ تعدادها سبعة آلاف نسمة دون طعام أو ماء أو أدوية، حيث كانت في ذلك الوقت بها عدد كبير من المصابين والمرضي والشيوخ والنساء والأطفال محاصرين بالقوات الأرمينية لأربعة أشهر.
لقد كان الهجوم علي خوجالي عملا مخططًا ومدبرًا تدبيرًا محكمًا، حيث حاصر الأرمن المدينة منذ أكتوبر 1991 وذلك مع بداية إعلان استقلال جمهورية أذربيجان عن الاتحاد السوفيتي، ففي 30 أكتوبر من ذلك العام، تم منع الحافلات من الوصول للمدينة، وأصبحت وسيلة المواصلات الوحيدة التي تربط خوجالي بباقي مدن أذربيجان هي الطائرات المروحية، حيث كانت آخر طائرة وصلت إليها في 28 يناير 1992.
لقد أسفرت عمليات الإبادة في خوجالي عن تم تدمير المدينة، بالإضافة إلى 8 قرى تابعة لها، تضم 2495 بيت سكني، 31 منشأة صناعية، 20 مؤسسة تعليمية، 14 مؤسسة صحية، 56 هيئة ثقافية. وحتى الآن، تعترف كل من باكستان والسودان رسميًا بالمذبحة. كما اعترفت المكسيك وكولومبيا وجمهورية التشيك والبوسنة والهرسك وجيبوتي وبيرو وهندوراس وبنما والأردن ورومانيا واسكتلندا على المستوى البرلماني بمذبحة خوجالي باعتبارها إبادة جماعية.
لم تستطع وسائل الإعلام العالمية تجاهل ما حدث في خوجالي ليلة السادس والعشرين من فبراير 1992، ورغم أن وسائل الإعلام والاتصال في ذلك الوقت لم تكن علي نفس القدر من التقدم والتطور الذي نراه في هذا الوقت، إلا أن الصحف والمجلات العالمية ألقت الأضواء علي هذه المذبحة لبشاعتها واعتبارها جريمة ليس في حق شعب أذربيجان، ولكنها في حق الإنسانية كلها. فقد زار العديد من الصحفيين والمراسلين الأجانب والمحليين مكان الحادث، وشاهدوا عن قرب ما حدث، ومنهم، الصحفي الفرنسي جان ايف يونت، الذي قال "لقد شاهدنا مأساة خوجالي، ورأينا مئات من جثث الموتي، من بينهم النساء والشيوخ والأطفال، والأشخاص الذين كانوا يدافعون عن خوجالي. لقد أتيحت لنا طائرة مروحية، وكنا نصور ما تراه أعيننا ونحن في الجو، فقد كنا نصور خوجالي وما حولها، وفي هذه الأثناء أطلقت الوحدات العسكرية الأرمينية النار علي طائرتنا، واضطررنا أن نترك التصوير ونعود، لقد سمعت الكثير عن الحرب، وقرأت كثيرًا عن غدر الفاشيين الألمان، ولكن الأرمن فاقوا ذلك بقتلهم الأبرياء والأطفال في عمر الخامسة والسادسة، ولقد رأينا في المستشفيات والمعسكرات وحتي في رياض الأطفال وفصول المدارس عددًا كبيرًا من الجرحي".
بالإضافة لما وصفه شهود عيان من الصحفيين والإعلاميين والمراقبين لما رأوه من فظائع لمذبحة خوجالي، فقد وصفت منظمة حقوق الإنسان الدولية هيومان رايتس ووتش مذبحة خوجالي بأنها أكبر مذبحة في تلك الأزمة، ولكن حسب القانون الدولي ماذا يمكن توصيف مذبحة خوجالي؟ ، وللإجابة علي ذلك السؤال لابد من الوقوف علي تعريف منظمة الأمم المتحدة للإبادة الجماعية.
في التاسع من ديسمبر 1948 أعلنت الأمم المتحدة أن الإبادة الجماعية لابد أن تكون محرمة دوليًا، كما تُعرف جرائم الحرب بأنها كل الجرائم التي يرتكبها الأفراد أو المنظمات ضد مواثيق الحرب، وتتضمن جرائم الحرب علي سبيل المثال إساءة معاملة أسري الحرب، واختطاف المدنيين، كما تعرف معاهدة لندن الموقعة في 8 أغسطس 1945 جرائم الحرب بأنها التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالجرائم ضد الإنسانية، وعدم المساس بكرامة المدنيين أو المحاربين المستسلمين، والنشاطات الإجرامية تجاه حياة الإنسان أو الممتلكات أو الكرامة الإنسانية، ولذلك فإن الإبادة الجماعية هي إحدي الجرائم الدولية التي تخرق القواعد القانونية للتعايش الدولي، وينطبق ذلك علي جرائم الحرب، وعلي الجرائم ضد الإنسانية وفقاً للقانون الدولي.