مساحة إعلانية
عادت السيدة زينب ومن بقى من آل البيت إلى المدينة المنورة، فاستقبلتها النساء بالبكاء والحزن الشديد على مقتل أخيها الإمام الحسين، وولديها محمد وعون وسبعون ممن رافقوا الإمام إلى كربلاء (61 ه)، وخشي يزيد بن معاوية من اجتماع أهل المدينة حولها، وتأثرهم بأحداث كربلاء وفاجعة أهل البيت فيها، وخشي أن يكون ذلك شرارة تشعل نيران ثورة أهل المدينة ضده، فأمر بإخراجها إلى أي بلدة أخرى تختارها هي، لكنها أبت قائلة: "أأترك بلد أبي وجدي".
فقال لها عبد الله بن عباس: " يا ابنة بنت رسول الله، اذهبي إلى مصر، فإن فيها قومًا يحبونكم لله، ولقرابتكم لرسول الله، وإن لم تجدي أرضًا تسكنيها هناك، فستجدين قلوب أهلها وطنًا".
اختارت السيدة زينب أرض مصر، ووصلت مشارف مدينة بلبيس بالشرقية في شهر شعبان (61 ه)، فخرج المصريون لاستقبالها بالدفوف والزغاريد، وعلى رأسهم والي مصر الأموي (مسلمة بن مخلد الأنصاري)، فقابلت فرحتهم بها بدعائها لهم قائلة: (يا أهل مصر، نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله، وأعنتمونا أعانكم الله، وجعل لكم من كل مصيبة مخرجًا، ومن كل ضيق فرجًا.)
استقرت السيدة زينب بنت الإمام علي في الفسطاط (عاصمة مصر)، ومنحها الوالي بيته لتسكن فيه، فاكتفت بغرفة واحدة لإقامتها وتعبدها، وتركت بقية القصر الذي تحول إلى مقر للفقراء والمساكين والمريدين، وكان لقبها بين الناس (الطاهرة وأم هاشم وأم العواجز، وصاحبة الشورى، وعقيلة بني هاشم)، لكن المصريين أطلقوا عليها لقب (السيدة) وهم أول من قالوا بذلك، ولقبوها أيضا برئيسة الديوان، فقد كان الوالي يأتي إليها وحاشيته، فتعقد لهم في دارها جلسات العلم، وكأنه الديوان وهي الرئيسة فيه، حتى وافتها المنية في الرابع عشر من شهر رجب 62 ه، ودفنت في غرفتها في بيت الوالي، والتي هي موضع ضريحها الحالي، وأصبح بقية البيت مسجدها في منطقة السيدة زينب حاليًا، ولم يخفت حب المصريين للسيدة زينب أو يتبدل، ويحتفلون بها في شهر رجب من كل عام، ويختمونها بالليلة الكبيرة في الثلاثاء الأخير من شهر رجب.
لكن رأي آخر يقول أن السيدة زينب قد غادرت مصر بعد تسعة أشهر من قدومها إليها، واستقر بها المقام في دمشق حتى وافتها المنية ودفنت هناك، ويقول آخرون أنها لم تغادر المدينة المنورة حتى وافتها المنية ودفنت هناك، لكن الرأي الأكثر رجاحة هو قدوم السيدة زينب إلى مصر بعد واقعة كربلاء، وفي صحبتها جمع من نساء آل البيت والإمام علي زين العابدين، وقال بذلك النسّابة يحيى بن الحسن العبيدلي (توفي 277 ه) في كتابه (أخبار الزينبيات) قائلًا:
(حدثني أبي عن أبيه، عن جدي عن محمد بن عبد الله، عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه، عن الحسن بن الحسين قال: لما خرجت عمتي زينب من المدينة خرج معها نساء بني هاشم، فاطمة ابنة عمي الحسين وأختها سكينة.)
وكانت السيدة سكينة بنت الحسين ممن رافقن السيدة زينب إلى مصر وكانت صغيرة لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها، أحبها أهل مصر وشيدوا لها مقامًا ومسجدًا في شارع الأشرف في حي الخليفة حاليًا، ويذكر أن السيدة سكينة قد تزوجت ابن عمها عبد الله بن الحسن، لكنه قتل مع أبيها في كربلاء قبل أن يدخل عليها، وأنها قد عادت من مصر وتزوجت مصعب بن الزبير ابن العوام والذي قتل سنة (72 ه)، ويقول المؤرخ (ابن زولاق) أن السيدة سكينة قد جاءت إلى مصر بعد خطبتها إلى الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، وكان عبد العزيز بن مروان في حينها واليًا على مصر، والأصبغ هو ولده الأكبر ويكنى به (أبو الأصبغ)، فحُملَت إليه في مصر، لكنها سمعت عن طباعه وعافت نفسها الزواج منه، ومات الأصبغ قبل أن يراها سنة 86 ه، فسكنت في البيت الذي أصبح مشهدها ومسجدها الحالي بالقرب من مقام السيدة نفيسة. وقال آخرون أن سكينة التي في مصر هي سكينة الصغرى بنت علي زين العابدين حفيدة الإمام الحسين وليست سكينة ابنته، وقد جاءت إلى مصر وماتت فيها صغيرة وبكرًا، وأن سكينة التي في الشام هي أختها سكينة الكبرى بنت الإمام علي زين العابدين (وقد ورد تعدد من تحملن نفس الاسم في نساء آل البيت تبركًا بالعمات والخالات من بيت النبوة)، والتي في المدينة المنورة هي السيدة سكينة ابنة الإمام الحسين المتوفاة في ربيع الأول 126 ه، وقال (ابن خلكان) في سنة 117 ه، وأورد (الأصفهاني) أنها توفيت فى ولاية (خالد بن عبد الملك بن الحارث) على المدينة في يوم شديد الحر، فارسل إليهم (لا تحدثوا حدثًا حتى أجيء)، وكان يقصد تأجيل الدفن بغية أن تنتن رائحة جسدها الشريف، لبغضه لها، فأحرق الناس العود والصندل في مجامر حولها ودفنت بعد الفجر. ويقول الفقيه الشافعي المصري (عبد البر الأجهوري) عن (عبد الوهاب الشعراني) في كتابه الطبقات، أن سكينة التي في مصر هي أخت الإمام الحسين.
وجاءت أيضًا إلى مصر السيدة فاطمة بنت الحسين، وهي زوجة ابن عمها الحسن الثاني ابن الحسن بن علي، والملقبة بفاطمة النبوية، وكانت أشبه النساء بجدتها فاطمة الزهراء، وأقربهن إلى قلب عمتها السيدة زينب، وأطلق عليها المصريون لقب (أم اليتامى وأم المساكين) فقد كان بيتها في مصر مفتوحًا دائمًا لليتامى والمساكين، وقد اشتهرت بتربيتها لسبع فتيات يتيمات أقمن معها في البيت، وأصبح منزلها ضريحًا لها فيما بعد في منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة، ويقال أنها عادت إلى المدينة بعد مجيئها الأول لمصر وتزوجت هناك وأنجبت، وبعد وفاة زوجها عبد الله جاءت إلى مصر مرة أخرى ومعها ابنتها رقية، وقد وافتها المنية بعد عودتها إلى مصر بمدة قليلة سنة 110 ه ودفنت فيها، وقد أحبها المصريون كثيرًا وتعلقوا بدرسها في العلم كل ثلاثاء، وحافظوا عليه حتى يومنا هذا، لكنه بمرور الأيام تحول إلى حضرة صوفية.
وجاءت السيدة رقية أخت الحسين مع أختها زينب إلى مصر بعد فاجعة كربلاء، وأقيم لها مسجد وضريح بجوار البوابة القريبة من مسجد السيدة نفيسة، ويقال أنه من مشاهد الرؤية، ويقال أن ذلك المقام به السيدة رقية بنت الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين، فهي السيدة رقية حفيدة الحسين وليست السيدة رقية أخته، وقد وجدت عبارة على الضريح تقول "بقعة شرفت بآل النبي، وببنت الرضا علي رقية"
وجاء علي زين العابدين ابن الحسين مع عمته زينب إلى مصر، ومكث فيها عامان، ولم يكن مشاركًا في معركة كربلًا لمرضه وإصابته بالحمى، وقد عاد إلى المدينة المنورة، توفى هناك في محرم 95 ه ودفن بجوار عمه الحسن بن علي، وأقيم له في مصر ضريح ومسجد في محل إقامته فيها في حي (زينهم) بمنطقة السيدة زينب، وإلى جواره ضريح آخر يحوي الرأس الشريف لأبنه زيد بن علي زين العابدين، والذي تتبع نهج جده الحسين وثار على هشام بن عبد الملك، لكن الأخير قتله وأمر برأسه أن تطوف البلاد ليكون عبرة للناس وتخويفًا لهم، وقد طافت الرأس الشريف العراق ثم الشام، وأرسلت إلى مصر (122 ه) لتنصب على جامع عمرو بن العاص، لكن بعد عدة أيام حملها المصريون ودفنوها في مقامها الحالي.
وفي مسجد وضريح سيدنا الحسين شهيد كربلاء يوجد الرأس الشريف لسيدنا الحسين، وقد ذكر المؤرخون أن رأس الحسين حملت من كربلاء إلى الشام ثم دفنت في عسقلان بفلسطين، وعندما غزا الصليبيون أرض عسقلان خشى الفاطميون على الرأس الشريف منهم ومن نبشهم لمقبرتها، فحملوها إلى القاهرة في عهد الخليفة الظافر بأمر الله، ووصل الرأس الشريف إلى القاهرة في الثامن من جمادي الآخر سنة 548 ه، ودفنت في قصر الزمرد لمدة عام حتى أنشئت لها قبة المقام الحالي (549 ه) في مسجد الإمام الحسين، وقد قال بذلك المؤرخ (ابن إياس) وأبو العباس القلقشندي في كتابه (صبح الأعشى)، والمقريزي في كتابه (المواعظ والاعتبار).
وممن تشرفت بهم أرض مصر السيدة عائشة بنت الإمام جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين حفيدة الإمام الحسين، وقد ولدت بالكوفة سنة 125 ه، وظلت هناك حتى تولى الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور الحكم، فجاءت إلى مصر هربًا من بطشه بآل البيت، وعاشت في منطقة المقطم (منطقة السيدة عائشة حاليا) وأحبها المصريون كثيرًا، وسميت بعائشة النبوية تميزًا لها عن السيدة عائشة أم المؤمنين، وقد توفيت بعد قدومها إلى مصر بعشرة أشهر سنة 145 ه عن عمر عشرين سنة فقط، فأطلق عليها أهل مصر لقب (عروس آل البيت) لصغر سنها عند وفاتها وعدم زواجها. ولا يوجد شك في وجود جسمانها الطاهر بأرض مصر.
ولا يوجد شك أيضًا في وجود الجسمان الطاهر للسيدة نفيسة بنت الإمام حسن الأنور بن زيد بن الحسن ابن الإمام علي في مصر، وقد جاءت إلى مصر في شهر رمضان 193 ه، وعاشت فيها حتى فاضت روحها في رمضان 208 ه، ودفنت في مسكنها الذي أصبح ضريحًا ومسجدًا لها، ولها مع أهل مصر الكثير من حكايات الألفة والمحبة سوف نتطرق إليها في مقال منفرد إن شاء الله.
لا شك أن الأضرحة في مصر منها ما هو مقامات تحوي رفات أصحابها، وأخرى (مشاهد الرؤيا) خالية من أي جسمان وبنيت على رؤية صادقة للتبرك بصاحب المشهد، لكن ذلك لا يعيب أهل مصر في شيء، فمحبتهم لآل البيت قد ملكت قلوبهم وألبابهم، فهم يحبونهم ويحبون سيرتهم ويذوبون عشقًا لبقعة أرض داستها أقدامهم في يوم ماء حتى لو كان على سبيل الظن، فهم لا يتباركون بالمكان بل بصاحبه وسيرته العطرة، ولا شك أن آل البيت قد أحبوا مصر وأهلها، وأحبو العيش فيها ووجدوها السكن والمأوى في ساعات العسرة، ويوجد في أرض مصر العديد والعديد من مقامات المنتسبين لآل البيت من الأجيال اللاحقة، وغيرهم من الصحابة والتابعين واولياء الله الصالحين، مثل الإمام الشافعي وأبو الحسن الشاذلي وذو النون المصري، وغيرهم الكثير.
وما بين مقام السيدة زينب رئيسة الديوان، ومقام السيدة نفيسة حبيبة المصريين يمتد شارع آل البيت، وهو شارع صغير لا يتجاوز الكيلومترين طولا في حي الخليفة، ويسمى بشارع الأشرف نسبة إلى الملك الأشرف صلاح الدين بن خليل بن قلاوون، ويسمى أيضًا بشارع الأشراف لتشرفه بالعديد من مقامات وأضرحة ومشاهد آل البيت وأولياء الله الصالحين، يبدأ الشارع بمقام علي زين العابدين ومقام زيد بن زين العابدين (به الرأس الشريف) عند فم الخليج، ثم مسجد السيدة نفيسة وضريحها الشريف، ثم قبة الملك الأشرف وقبة فاطمة خاتون (أم الملك الصالح)، ومقامين صغيرين لابن سيرين ومقام الصحابي عبد الغني بن عبد الله البلاسي، ثم مشهد السيدة رقية بنت الإمام علي الرضا حفيدة الحسين، ومقام السيدة عاتكة ابنة نفيل العدوية زوجة والي مصر عبد الله بن عمر (37 ه)، وقد تزوجها من قبل عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وقد اصابتهم الشهادة جميعًا، ثم مقام (علي الجعفري) شقيق السيدة عائشة بنت الإمام جعفر الصادق، وحمام شجرة الدر الذي شهد مصرعها، ثم مقام السيدة سكينة بنت الحسين ومسجد الإمام محمد الأنور حفيد الحسن وعم السيدة نفيسة، وثم (مجمع الأولياء) وهو مقام لعدد من أولياء الصالحين توارت أسمائهم مع مرور الأيام، وينتهي الشارع بمقام ومسجد السيدة زينب عقيلة بني هاشم.