مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

د. أيمن الداكر يكتب : هوامش على دفتر المحروسة المُبَاركَة في العَهْدَين ( 26)

2024-07-22 01:15 PM  - 
د. أيمن الداكر يكتب : هوامش على دفتر المحروسة  المُبَاركَة في العَهْدَين ( 26)
د.ايمن الداكر
منبر

حظيت مصر بقدر وافر من الأهمية في الكتاب المقدس، فقد كانت قاسمًا مشتركًا في رحلة معظم أنبياء بني إسرائيل، وجرت على أرضها وقائع عظام وأحداث فريدة، وإشارات بَيّنة إلى أهمية وقدسية ذلك البلد، ولفظ (مصر) هو الاسم العبراني أو التوراتي لأرض مصر، ويضاف إليه (ايم) كإشارة للمصريين، وتنسب مصر في الرؤية التوراتية إلى مصرايم بن بيصر بن حام ابن سيدنا نوح عليه السلام. وقد ورد اسم مصر بمشتقاته المختلفة (مصرايم، مصر، مصري، مصرية، مصريون) في الكتاب المقدس (697) مرة، منها (670) مرة في العهد القديم، و(27) مرة في العهد الجديد، وذلك بخلاف أماكن في أرضها مثل سيناء وجبل سيناء وقد ورد ذكرهما (65) مرة، منها (18) مرة باسم جبل حوريب، و(6) مرات باسم جبل الله.

ومن المفارقات الجميلة والتي لها دلالات عظيمة، أن أول ظهور لكلمة (مصر) في التوراة (العهد القديم)، كان في وصفها بالملجأ الذى أوى إليه سيدنا إبراهيم، هربًا من المجاعة التي ضربت الأرض في حينها.

(وَحَدَثَ جُوعٌ فِي الأَرْضِ، فَانْحَدَرَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ لِيَتَغَرَّبَ هُنَاكَ، لأَنَّ الْجُوعَ فِي الأَرْضِ كَانَ شَدِيدًا). (التكوين 12: 10).

فقد حدثت مجاعة شديدة في بلاد الشام، فأخذ إبراهيم زوجته سارة وابن أخيه لوط إلى أرض مصر، لتكون لهم فيها النجاة من تلك المجاعة، وقد رأى رجال فرعون جمال سارة فمدحوها عنده فأمر بإحضارها إلى القصر، وقد علم أنها أخت إبراهيم وليست زوجته، فذلك ما قاله سيدنا إبراهيم للناس حتى لا يقتلوه ويسلبوها منه إن علموا أنها زوجته، وأكرم فرعون سيدنا إبراهيم ومنحه ما يغنيه من غنم وبقر وحمير وعبيد وإماء وأتن وجمال، لكن أحداثًا مؤلمة حدثت لبيت فرعون بسبب سارة (ساراي) امرأة إبراهيم (إبرام)، فغضب فرعون واستدعى إبراهيم إليه.

(فَدَعَا فِرْعَوْنُ أَبْرَامَ وَقَالَ: مَا هذَا الَّذِي صَنَعْتَ بِي؟ لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي أَنَّهَا امْرَأَتُكَ؟ لِمَاذَا قُلْتَ: هِيَ أُخْتِي، حَتَّى أَخَذْتُهَا لِي لِتَكُونَ زَوْجَتِي؟ وَالآنَ هُوَذَا امْرَأَتُكَ! خُذْهَا وَاذْهَبْ). (التكوين 12: 19).

وهب فرعون لسارة امرأة مصرية هي السيدة هاجر والتي أصبحت أم سيدنا إسماعيل عليه السلام، وتركها ترحل مع إبراهيم في سلام دون أن يسترد ما منحه لإبراهيم من هدايا وأموال من قبل.

نجد في تلك القصة: أن فرعون مصر قد اتخذ السيدة سارة زوجة له وليست سبية أو جارية، وقد منح أخيها –كما أخبروه- خيرًا وفيرًا وكأنه صداق لها، وعندما أصابه وأهله السوء بسبب تواجدها في بيته، أدرك أن ذلك عقاب له لأنه اغتصب زوجة من زوجها، مما يشير أن ذلك كان محرّمًا عندهم، فردّها إلى زوجها محّملة بالهدايا ولم يأخذ ممن ظن أنه أخوها شيئًا من عطاياه السابقة.

تمر الأيام لتحدث القصة مرة أخرى مع الحفيد، أن تضرب الأرض مجاعة شديدة، فيرسل سيدنا يعقوب أبناءه إلى مصر، ليبيعوا بضاعتهم المزجاة ويأتون بما ينقذهم من تلك المجاعة.

(وَجَاءَتْ كُلُّ الأَرْضِ إِلَى مِصْرَ إِلَى يُوسُفَ لِتَشْتَرِيَ قَمْحًا، لأَنَّ الْجُوعَ كَانَ شَدِيدًا فِي كُلِّ الأَرْضِ). (التكوين 41: 57).

وقال يعقوب: (إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ أَنَّهُ يُوجَدُ قَمْحٌ فِي مِصْرَ. انْزِلُوا إِلَى هُنَاكَ وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هُنَاكَ لِنَحْيَا وَلاَ نَمُوتَ). (التكوين 42: 2).

فيكرمهم يوسف ويمنحهم العطايا من أرض مصر ليغنيهم ويمنع عنهم خطر المجاعة.  

(وَأَرْسَلَ لأَبِيهِ هكَذَا: عَشَرَةَ حَمِيرٍ حَامِلَةً مِنْ خَيْرَاتِ مِصْرَ، وَعَشَرَ أُتُنٍ حَامِلَةً حِنْطَةً، وَخُبْزًا وَطَعَامًا لأَبِيهِ لأَجْلِ الطَّرِيقِ). (التكوين 45: 23).

ويسكن نبي الله يعقوب أرض مصر بجوار ابنه نبي الله يوسف والأسباط.

(وَسَكَنَ إِسْرَائِيلُ فِي أَرْضِ مِصْرَ، فِي أَرْضِ جَاسَانَ، وَتَمَلَّكُوا فِيهَا وَأَثْمَرُوا وَكَثُرُوا جِدًّا). (التكوين 47: 27).

ويجيئ من نسلهم سيدنا موسى الذي ولد في أرض مصر، ونشأ وتربي في قصر فرعون مصر، ويتعلم حكمتهم التي أثنى عليها الكتاب المقدس.

(فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ). (أعمال الرسل 7: 22) .

وعندما يخرج بنو إسرائيل من مصر يحملون خيراتها، من ذهب وثياب وأمتعة.

(بَلْ تَطْلُبُ كُلُّ امْرَأَةٍ مِنْ جَارَتِهَا وَمِنْ نَزِيلَةِ بَيْتِهَا أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَابًا، وَتَضَعُونَهَا عَلَى بَنِيكُمْ وَبَنَاتِكُمْ. فَتسْلِبُونَ الْمِصْرِيِّينَ). (الخروج 3: 22).

وعندما تحدّث سفر إشعياء عن غضب الرب على أرض مصر وأهلها.

( وَتُنْتِنُ الأَنْهَارُ، وَتَضْعُفُ وَتَجِفُّ سَوَاقِي مِصْرَ، وَيَتْلَفُ الْقَصَبُ وَالأَسَلُ). (إشعياء 19: 6).

يقول أيضا أن الرب قد رضي عنهم وعفى عنهم.

(وَيَضْرِبُ الرَّبُّ مِصْرَ ضَارِبًا فَشَافِيًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى الرَّبِّ فَيَسْتَجِيبُ لَهُمْ وَيَشْفِيهِمْ) (إشعياء 19: 22). ويباركهم (مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ). (إشعياء 19: 25).

وتجيء المفارقة الجميلة مرة أخرى، فيكون أول ظهور لكلمة (مصر) في الإنجيل (العهد الجديد)، أيضًا في لجوء العائلة المقدسة إلى أرضها المباركة، ويكون الأمر من الرب ليوسف النجار بأن يحمل السيد المسيح وأمه إلى أرض مصر، هربًا من بطش هيرودس.

(وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ) (فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ) (إنجيل متى 2: 14،13).

فتتشرف مصر بقدوم السيد المسيح إليها ويخطو على أرضها أول خطواته، ويكون طعامها أول طعام يتناوله، وأول ماء يشربه يكون من نيلها، وتكون دعوة الرب من أرض مصر.

(مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني) (إنجيل متى 2: 15).

وتنشأ على أرضها أول كنيسة في المسيحية في دير المحرق بأسيوط.

(فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا). (إشعياء 19: 19).

وهناك يظهر ملاك الرب ليوسف النجار مرة أخرى؛ ليأمره بالعودة فقد مات هيردوس.

(إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ فِي حُلْمٍ لِيُوسُفَ فِي مِصْرَ، قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ). (متى 2: 19).

لقد كانت مصر دائمًا أرضًا مباركة بخطوات الأنبياء والصالحين، وملجأ لهم ساعة العسرة، وهي كما وصفها الكتاب المقدس جنة الرب. (كَجَنَّةِ الرَّبِّ، كَأَرْضِ مِصْرَ). (التكوين 10:13).

مساحة إعلانية