مساحة إعلانية
على مدار التاريخ المصري لم تكن الكنيسة المصرية مجرد مؤسسة دينية تؤدي دورًا روحيًا فحسب بل كانت و لا تزال أحد الأعمدة الوطنية الراسخة التي أسهمت بوعي و مسؤولية في حماية نسيج الوحدة الوطنية و الحفاظ على الهوية المصرية الأصيلة فالكنيسة منذ نشأتها ارتبطت بالأرض و الإنسان و لم تنفصل يومًا عن قضايا الوطن أو معاركه المصيرية بل شاركت في تشكيل الوجدان الوطني و أسهمت في ترسيخ قيم الانتماء و التعايش المشترك بين أبناء الشعب الواحد .
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الكنيسة المصرية كانت شريكًا حقيقيًا في كل المحطات الوطنية الكبرى حيث وقفت إلى جانب الشعب في مواجهة الاحتلال و شاركت في لحظات النضال الوطني التي جسدت وحدة المصريين دون تفرقة بين مسلم و مسيحي كما ظهر جليًا في ثورة 1919 التي قدّمت نموذجًا خالدًا لوحدة الهلال مع الصليب و منذ ذلك الحين ظل هذا النموذج راسخًا في الوعي الجمعي للمصريين تؤكده المواقف الوطنية المتتالية للكنيسة في كل مرحلة من مراحل بناء الدولة .
و لم يكن دور الكنيسة في الحفاظ على الوحدة الوطنية دورًا شعاريًا أو عاطفيًا بل جاء من خلال خطاب ديني واعٍ يربط الإيمان الحقيقي بحب الوطن و خدمته و يؤكد أن الاختلاف الديني لا يمكن أن يكون سببًا للانقسام أو الصراع بل هو عنصر تنوع و قوة داخل المجتمع الواحد و قد حرصت الكنيسة على ترسيخ مفهوم المواطنة باعتباره الإطار الجامع لكل المصريين و على أن الحقوق و الواجبات لا تُقاس بالعقيدة و إنما بالانتماء للوطن و الالتزام بقيمه و قوانينه .
و في مواجهة محاولات الفتنة الطائفية التي سعت في أوقات مختلفة إلى زعزعة الاستقرار المجتمعي اتسم موقف الكنيسة بالحكمة و ضبط النفس و الوعي العميق بخطورة الانسياق وراء الاستفزازات فلم تسمح بتحويل الحوادث الفردية إلى صراعات جماعية و لم تنجر إلى خطاب الكراهية أو الانتقام بل دعت دائمًا إلى التهدئة و الحوار و الحفاظ على السلم الاجتماعي إدراكًا منها أن الفتنة لا تهدد فئة بعينها و إنما تضرب الوطن بأكمله .
كما أسهمت الكنيسة بدور بارز في الحفاظ على الهوية الوطنية المصرية من خلال صون التراث الثقافي و اللغوي و القيمي الذي يعكس عمق الحضارة المصرية فقد حافظت على اللغة القبطية باعتبارها امتدادًا للهوية المصرية القديمة و على كثير من العادات و التقاليد التي تشكل جزءًا من الشخصية المصرية و رسخت قيم التسامح و الاعتدال و احترام الآخر و هي القيم التي تميز المجتمع المصري عبر تاريخه الطويل .
و لم يقتصر تأثير الكنيسة على الجانب الثقافي و الروحي بل امتد إلى الإسهام في بناء مقومات الشخصية المصرية التي تقوم على الصبر و العمل و التوازن و القدرة على التعايش و تجاوز الأزمات و من خلال تشجيعها على التعليم و العمل و المشاركة المجتمعية أسهمت في إعداد أجيال واعية بدورها تجاه الوطن مدركة أن الإيمان لا ينفصل عن السلوك الإيجابي و خدمة المجتمع .
و في ظل الدولة الوطنية الحديثة أكدت الكنيسة المصرية دعمها الكامل لفكرة الدولة القائمة على القانون و المؤسسات و اعتبرت أن استقرار الدولة هو الضامن الحقيقي لحقوق جميع المواطنين دون استثناء و وقفت بوضوح إلى جانب مؤسسات الدولة في معركتها ضد الإرهاب و التطرف إدراكًا منها أن هذه المعركة ليست أمنية فقط بل هي معركة وعي و حفاظ على الهوية و مستقبل الأجيال القادمة .
و تحرص الكنيسة في خطابها الموجه للأجيال الجديدة على التأكيد بأن الوطن ليس مجرد مكان للعيش بل مسؤولية يجب الحفاظ عليها و العمل من أجلها و أن الانتماء الحقيقي يظهر في الالتزام بالقيم و احترام القانون و رفض العنف و الكراهية و عدم الانسياق خلف دعوات الهدم أو التشكيك التي تستهدف ضرب استقرار الدولة و تماسك المجتمع .
إن التجربة المصرية تؤكد أن الوحدة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات بل ممارسة يومية و مسؤولية مشتركة تتكامل فيها أدوار مؤسسات الدولة مع المؤسسات الدينية و في مقدمتها الأزهر الشريف و الكنيسة المصرية فمصر بتاريخها و حضارتها و تنوعها ستظل قوية بوحدة أبنائها عصية على محاولات التفكيك ما دام وعي المصريين حاضرًا و إيمانهم بوطنهم راسخًا ليبقى الهلال مع الصليب رمزًا لوطن واحد و شعب واحد و مصير مشترك لا يقبل الانقسام و سلاما عليكي يا بلادي في كل وقت و في كل حين .