مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

"شبهة الشهود الأربعة وإثبات الاغتصاب "بقلم: د/ زُبير سُلطان ربّاني

2026-05-30 02:05 PM  - 
"شبهة الشهود الأربعة وإثبات الاغتصاب "بقلم: د/ زُبير سُلطان ربّاني
د/ زُبير سُلطان ربّاني

في ظلّ تصاعد الخطابات الحقوقية والإعلامية المعاصرة، برزت شبهة متكررة تُقدَّم بوصفها دليلًا على قصور الشريعة الإسلامية عن حماية المرأة وتحقيق العدالة في جرائم الاغتصاب، ومفادها أنّ الإسلام يشترط أربعة شهود لإثبات جريمة الاغتصاب، وأنّ الضحية لا تصل إلى العدالة إلا إذا وقعت الجريمة أمام عددٍ من الشهود يشاهدونها بصورة مباشرة. وقد تحوّلت هذه الدعوى عند بعض المنصات الفكرية والإعلامية إلى مدخلٍ للطعن في صلاحية الشريعة وعدالتها وشموليتها، وتصويرها وكأنها تُضيّق على الضحية أو تُضعف حماية المرأة أو تمنح المعتدي فرصة الإفلات من العقوبة.
غير أنّ التأمل العلمي الهادئ يكشف أنّ هذه الشبهة نشأت من الخلط بين بابين مختلفين في الطبيعة، والوصف الفقهي، ومقاصد التشريع، وآليات الإثبات القضائي. فالشريعة الإسلامية فرّقت تفريقًا واضحًا بين الزنا الرضائي والاعتداء الجنسي القسري، وربطت كلّ جريمة بطبيعتها وآثارها ومقاصد العقوبة فيها (وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، 6: 33-35) ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءةٍ فقهيةٍ مقاصديةٍ متوازنة تُعيد بناء التصور الصحيح لهذه القضية في ضوء فلسفة العدالة في الإسلام، وطبيعة الجريمة، والبناء القضائي الإسلامي، بعيدًا عن القراءات المجتزأة والصور النمطية الشائعة.
أولًا: بين الرضا والإكراه… أين أخطأت القراءة المعاصرة؟
يقوم أصل الخلل في هذه الشبهة على الخلط بين الزنا القائم على التراضي، والاغتصاب القائم على الإكراه والعدوان. فالزنا في الفقه الإسلامي جريمة أخلاقية تقوم على التراضي المتبادل بين الطرفين، ولذلك ارتبطت أحكامه بمقاصد مخصوصة تتعلق بحماية الأخلاق العامة، وصيانة المجتمع من المجاهرة بالفاحشة، ومنع انتشار الاتهامات الكاذبة، وسد أبواب التجسس والتشهير (ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص302–305).
أما الاغتصاب، فيمثل في التصور الإسلامي عدوانًا مركبًا، وإكراهًا، وانتهاكًا لحرمة الجسد والإرادة، واعتداءً على الكرامة الإنسانية، وإفسادًا للأمن الاجتماعي والنفسي. ولهذا فرّق الفقهاء بين الجريمتين من حيث التكييف الفقهي، وطبيعة العقوبة، ووسائل الإثبات، والبناء القضائي (عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي، 2: 364).
وقد قرّر عددٌ من الفقهاء والمحققين أنّ جريمة الاغتصاب تدخل في معنى الحرابة؛ لاجتماع الاعتداء على العرض والأمن الإنساني فيها، واستدلّوا بقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].
وقد صرّح الإمام ابن العربي بقوله:
«إنَّ الحرابة في الفروج أفحشُ منها في الأموال» (ابن العربي، أحكام القرآن، 2:474). 
وأكد القرافي هذا المعنى بقوله:
«إكراه المسلمة على الزنا أولى بالإلحاق بالحرابة؛ لعموم مفسدته في النفوس والأبضاع والأموال» (القرافي، الذخيرة، 3: 462).
وتكشف هذه النصوص عمق التصور الفقهي الإسلامي لجريمة الاغتصاب؛ إذ تعاملت معها بوصفها جريمة تمس العرض، والكرامة، والأمن، واستقرار المجتمع.
وقد ثبت في السنة النبوية أنّ المرأة المكرهة تُعامل بوصفها ضحية اعتداء وعدوان، ففي الحديث:
«اُسْتُكْرِهَتِ امْرَأَةٌ عَلَى الزِّنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ، وَأَقَامَهُ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا» (سنن أبي داود، حديث رقم 4379؛ سنن الترمذي، حديث رقم 1453).
وقد أجمع الفقهاء على أنّ المرأة المكرهة لا تتحمل أيّ مسؤولية حدية لانعدام الرضا والاختيار، بينما تتجه العقوبة إلى الجاني وحده. ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين «العلاقة الرضائية» و«الاعتداء القسري» في التصور الإسلامي، ويتضح أنّ نقل شروط بابٍ فقهيٍّ إلى بابٍ آخر مختلفٍ في طبيعته ووصفه يُنتج قراءةً مضطربةً بعيدةً عن البناء الفقهي المتكامل.

ثانيًا: فلسفة الأربعة شهود وحكمة التشريع
يتعامل بعض الكتّاب مع «شرط الأربعة شهود» وكأنه شُرع لتعقيد الوصول إلى العدالة، بينما تكشف النصوص القرآنية أنّ هذا الشرط جاء أساسًا لحماية الأعراض، وصيانة سمعة النساء، ومنع استباحة الكرامة الإنسانية بالاتهامات والشائعات.
فالإسلام لم يجعل هذا الشرط قاعدةً عامةً في كل الجرائم الجنسية، وإنما ورد في سياقات مخصوصة تتعلق بحد الزنا الرضائي، وبالقذف والطعن في أعراض المحصنات.
قال الله تعالى:
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15].
وقال سبحانه:
﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13].
وقال جلّ وعلا:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4].
وتكشف هذه الآيات أنّ المقصد الأساس يتمثل في حماية الأعراض، وصيانة سمعة النساء، ومنع التشهير، وإغلاق أبواب الابتزاز والاتهامات الكاذبة.
فالمرأة عبر التاريخ كانت أكثر عرضة للطعن في الشرف، والاغتيال المعنوي، والتشهير الأخلاقي، والاستغلال الاجتماعي بسبب الشائعات. ولهذا جاء التشديد القرآني حمايةً للمرأة وصيانةً لكرامتها الإنسانية، وبناءً لسياجٍ أخلاقيٍّ وقضائيٍّ يحفظ المجتمع من الفوضى والانهيار المعنوي.
ويكشف اختيار القرآن لصيغة: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا﴾ - بدلًا من «أشهدوا» - عن دقةٍ تشريعيةٍ بالغة؛ لأنّ القرآن لم يأتِ بصيغةٍ توحي بالتسرّع في إطلاق الاتهام أو المبادرة إلى الإدانة، وإنما جاء بأسلوبٍ يحمل معنى طلب التثبّت، والتحقّق المتأنّي، والبحث عن البيّنة اليقينية القاطعة.
وكأنّ الخطاب القرآني يوجّه المجتمع إلى أنّ أعراض الناس - ولا سيما النساء - ليست مجالًا للشائعات العابرة، أو الخصومات الاجتماعية، أو التوظيف الإعلامي والسياسي، بل هي حُرُماتٌ مصونة تُبنى الأحكام فيها على أعلى درجات اليقين والتحرّي.
كما أنّ التعبير القرآني في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 13] يحمل في بنيته اللغوية والتشريعية معنى التوبيخ والإنكار على من يخوض في أعراض الناس بلا بيّنةٍ واضحة، كما وقع من المنافقين في حادثة الإفك في شأن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. فجاء الأسلوب القرآني بصيغةٍ تُشعر بأنّ الأصل هو صيانة السمعة، وحفظ الكرامة، وإغلاق أبواب الاتهام غير المنضبط.
ولهذا لم يقل القرآن: «فليأتوا» أو «ائتوا»، وإنما جاء بأسلوبٍ يحمّل مطلق الاتهام مسؤولية إقامة البرهان الكامل قبل الخوض في أعراض الناس، حتى لا تتحول المجتمعات إلى ساحات للتشهير، والانتقام، والابتزاز، والاغتيال المعنوي.
ومن هنا تتجلّى الحكمة الحضارية العميقة لهذا التشريع؛ لأنّ الإسلام أراد أن يحمي المرأة من أن تتحول إلى ضحية للاتهامات الكيدية، أو للتشهير الأخلاقي، أو للابتزاز الاجتماعي، أو للتوظيف الإعلامي والسياسي، أو لمحاكمات الرأي العام التي قد تدمر حياة الإنسان وكرامته قبل أيّ حكمٍ قضائي.
ولهذا شدّد القرآن في باب القذف والتشهير تشديدًا بالغًا؛ لأنّ الاعتداء على السمعة والعرض قد يكون في كثيرٍ من الأحيان أشدّ أثرًا من الاعتداء المادي نفسه، وقد تمتدّ آثاره النفسية والاجتماعية إلى الأسرة والمجتمع والحياة المستقبلية للمرأة.
ومن هنا أيضًا يتضح أنّ اشتراط الأربعة شهود في «حدّ الزنا الرضائي» جاء لتحقيق توازنٍ دقيق بين حماية الأخلاق العامة، وصيانة الكرامة الإنسانية، ومنع الفوضى الأخلاقية، وإغلاق أبواب التشهير والاتهامات الباطلة.
ولهذا اشترط الفقهاء في هؤلاء الشهود العدالة، والضبط، والاتفاق، والرؤية اليقينية الصريحة، حتى تبقى كرامة الإنسان وسمعته مصونة من العبث والانتهاك (موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي، 7: 250).
ومن هنا يظهر البعد الحضاري لهذا التشريع؛ لأنّ المجتمعات الحديثة نفسها تعاني اليوم من التشهير الرقمي، والمحاكمات الإعلامية، والابتزاز الأخلاقي، وتحويل الشائعات إلى أدوات تدمير اجتماعي ونفسي، حتى أصبحت حياة كثيرٍ من النساء تُهدَّد بصورةٍ قاسية بسبب اتهامٍ غير موثّق أو حملةٍ إعلاميةٍ منفلتة، الأمر الذي يكشف جانبًا من الحكمة العميقة التي أرادها القرآن في بناء منظومةٍ أخلاقيةٍ وقضائيةٍ تحمي الإنسان وكرامته وسمعته من الفوضى والانتهاك.

ثالثًا: الاغتصاب في الشريعة الإسلامية: عدوانٌ على الإنسان لا «فاحشة عابرة»
تعاملت الشريعة الإسلامية مع جريمة اغتصاب المرأة بوصفها جريمةً مركّبةً تمسّ الكرامة الإنسانية، وصيانة العرض، وأمن المجتمع، وحرمة الجسد والإرادة. ولهذا قرّرت لها بناءً عقابيًّا شديدًا ينسجم مع خطورة الجريمة وآثارها النفسية والاجتماعية والإنسانية.
وقد دلّ أصل التشريع القرآني على تجريم كلّ عدوانٍ جنسيٍّ وعدِّه من أعظم الفواحش والاعتداءات، قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32].
ويزداد خطر الاعتداء الجنسي القهريّ لاجتماعه على الفاحشة، والإكراه، والعدوان، وانتهاك الكرامة الإنسانية. ولهذا قرّر جمهور الفقهاء أنّ المغتصب إذا ثبتت جريمته ثبوتًا قطعيًّا أُقيم عليه حدّ الزنا؛ فإن كان مُحصنًا فالرجم، وإن كان غير مُحصن فالجلد والتغريب، مع بقاء الضحية بريئةً غير مؤاخذة؛ لأنّ الإكراه يرفع عنها كلّ تبعةٍ شرعية.
كما قرّر عددٌ من الفقهاء المعاصرين - كالإمام ابن عثيمين، ومحمد أبو زهرة، والشيخ سيد سابق، والدكتور وهبة الزحيلي- أنّ جريمة الاغتصاب تمثل عدوانًا مركبًا على العرض والكرامة والأمن الإنساني، الأمر الذي يجعلها داخلةً في معنى الحرابة والإفساد في الأرض عند اقترانها بالترويع والقهر وإخافة الناس.
وقد استدلّوا بقوله تعالى: 
﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33].
وقد صرّح الإمام ابن العربي المالكي بقوله: «إنَّ الحرابة في الفروج أفحشُ منها في الأموال» (ابن العربي، أحكام القرآن، 2: 474).
ويكشف هذا التوصيف الفقهي عمق الرؤية الإسلامية للجريمة؛ لأنّ آثار الاغتصاب تمتدّ إلى زعزعة الأمن، وإشاعة الخوف، وتمزيق الاستقرار الاجتماعي، وانتهاك القيم الإنسانية والأخلاقية.
ولهذا اتجه عددٌ من الباحثين والفقهاء المعاصرين إلى اعتبار عقوبة الحرابة في جرائم الاغتصاب القهريّ من أشدّ العقوبات الزجرية؛ تحقيقًا لأقصى درجات الردع وصيانةً للمجتمع والأعراض (أبو زهرة، زهرة التفاسير، 2: 1494؛ العوايشة، الموسوعة الفقهية، 6: 115).
كما قرّرت الشريعة الإسلامية «الضمان المالي» وجبر الضرر الواقع على الضحية، فأوجب جمهور الفقهاء «مَهر المِثل» على المغتصب؛ باعتباره جبرًا للضرر الواقع عدوانًا، وتحقيقًا لمقصد العدل وصيانة الكرامة الإنسانية (ابن فرحون، تبصرة الحكّام، 2: 253).
ومن جهة الإثبات، اعتمدت الشريعة الإسلامية منظومةً قضائيةً واسعة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدالة. ولهذا اعتبر الفقهاء القرائن، والأمارات، وآثار الجريمة، والاعتراف، والتحقيق القضائي، والظروف المحيطة بالواقعة، من الوسائل المعتمدة في الإثبات، خصوصًا في الجرائم القائمة على الإكراه والعدوان (ابن القيم، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ص21).
كما يمتلك البناء القضائي الإسلامي من السعة والمقاصدية ما يسمح بالاستفادة من الوسائل الحديثة في كشف الجريمة وتحقيق العدالة، ما دامت تؤدي إلى إظهار الحقيقة وصيانة الحقوق.
ولهذا توسّع الفقهاء والباحثون المعاصرون في إدراج الوسائل العلمية والرقمية ضمن «القرائن القوية» و«الأمارات الكاشفة» التي يُستفاد منها في التحقيق الجنائي، خصوصًا في الجرائم الجنسية التي يغلب وقوعها في الخفاء.
ومن أبرز هذه الوسائل المعاصرة تقارير الطب الشرعي، وتحليل الحمض النووي(DNA)، وفحص الآثار البيولوجية، والبصمات، والكاميرات وأنظمة المراقبة، والتسجيلات الصوتية والمرئية، وتحليل الهواتف والرسائل والبيانات الرقمية، والأدلة الإلكترونية وتقنيات التتبع الحديثة (رباب مصطفى، حجية البصمة الوراثية في الإثبات الجنائي، ص1460–1463).
وقد قرّر مجمع الفقه الإسلامي الدولي إمكان الاستفادة من البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي وإثبات الهوية؛ لما تتمتع به من قوةٍ علميةٍ عالية في الربط بين الجاني والجريمة (المجمع الفقهي الإسلامي، «قرار بشأن البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها»، الدورة السادسة عشرة، مكة المكرمة، 1422هـ/2002م).
كما ذهب الدكتور وهبة الزحيلي، والشيخ يوسف القرضاوي، وغيرهما من المعاصرين، إلى اعتبار الوسائل العلمية الحديثة من القرائن القوية التي تُسهم في تحقيق العدالة، خصوصًا في الجرائم الجنسية التي تتعذر فيها الشهادة المباشرة.
ومن هنا تتجلّى شمولية البناء الفقهي والقضائي الإسلامي؛ لأنّه راعى طبيعة الجريمة، وخطورة آثارها، وتنوّع العقوبات، وتعدّد وسائل الإثبات، وشمولية الضمانات القضائية والإنسانية، بما يحقق حماية العرض، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتحقيق العدالة، وحفظ أمن المجتمع واستقراره.

رابعًا: العدالة قبل الشكلية… كيف يواجه القضاء الإسلامي جرائم الاغتصاب؟
يمثل التمييز بين «إقامة الحد» و«التعزير القضائي» أحد المفاتيح العلمية المهمة لفهم هذه القضية؛ لأنّ إقامة الحد ترتبط بشروطٍ خاصةٍ تتعلق بطبيعة الحد ذاته، بينما يمتلك باب التعزير مساحةً أوسع لتحقيق العدالة اعتمادًا على القرائن، والأدلة الفنية، والتحقيقات، والظروف المحيطة بالجريمة.
وقد قرر الفقهاء أنّ قاعدة: «درء الحدود بالشبهات» (سنن الترمذي، حديث رقم 1424) ترتبط بإقامة الحد الخاص، بينما يبقى للقاضي حقّ التعزير والعقوبة عند ظهور القرائن القوية والبيّنات المعتبرة.
ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى انتقال القضية إلى باب التعزير بحسب ما يترجح للقاضي من البيّنات والقرائن (وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، 7: 5592).
كما أبرز ابن القيم البعد المقاصدي لهذا المسلك حين أكد أنّ مناط التعزير ظهور الحق وصدق الدعوى بقرائن الأحوال؛ لأنّ مقصود الشريعة الأعظم يتمثل في رفع الظلم، وتحقيق العدل، وصيانة الحقوق (ابن القيم، إعلام الموقعين، 4: 282).
ومن هنا تقوم العدالة في الشريعة الإسلامية على منظومة قضائية متكاملة تراعي طبيعة الجريمة، وآثارها، وقوة القرائن، ومقاصد العدالة، بما يحفظ الكرامة الإنسانية ويصون المجتمع ويحقق الردع القضائي الفاعل.
خاتمة
إنّ شبهة «الأربعة شهود» نشأت من قراءةٍ مجتزأة فصلت النصوص عن مقاصدها، وخلطت بين باب «الزنا الرضائي» وباب «الاعتداء الجنسي القسري».
فالشريعة الإسلامية أقامت بناءً قضائيًّا متكاملًا يقوم على حماية العرض، وصيانة الكرامة الإنسانية، وتحقيق العدالة، وحفظ أمن المجتمع.
ولهذا راعت طبيعة الجرائم، وتنوّع العقوبات، واتساع وسائل الإثبات، والاستفادة من الوسائل العلمية الحديثة، في إطارٍ أخلاقيٍّ وإنسانيٍّ متوازن، ظلّ قادرًا على مواكبة تطور المجتمعات والوقائع والوسائل في كل زمان ومكان.

مساحة إعلانية