مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

شيطانة الملائكة ... بقلم إيمان العطيفي

2026-06-07 08:56 PM  - 
شيطانة الملائكة ... بقلم  إيمان العطيفي
صورة تعبيرية

 لم تكن الجنة في السماء. كانت شقة صغيرة في الطابق الرابع، نافذتها تطل على شجرة ليمون غرستها بيدها ذات يوم ،جنتهما الصغيرة فيها رائحة القهوة في الصباح، ودعاؤها له وهو نائم: اللهم اهده  اصلح شأنه كله ،اجعله لي وخصني به.

 سارة. قلبها لين كعجين القمح ،نقي كاللبن، ظنت أن الصبر وحده يكفي لصنع رجل. تزوجت آدم  عن قصة حب ، عاهدت الله ،ان تكون له بيتاً وأماناً ،اسمه آدم، لكنه لم يشبه أبا البشر إلا في الخطأ.

في البداية قالت: الرجل يخطئ والمرأة تصبر ،لكنه يتعمد ايذائها  ، لا يخفي خيانته، يتفاخر بها  ، يتركها أمام عينيها. يعود من الخارج هاتفه مفتوحاً على صور لا تخصها. ما المشكلة؟ هى الزوجة وعليها أن تحتمل ،لا تعاتب ،لا تحاسب ،فقانونه الموثق فى قلبه العقاري هو،أنا لا أتغير .

الوجع الأكبر لم يكن منح جسده لغيرها. كان في لسانه. 

يوقظها قائلاً:  قومي يا لوزة . فتجيبه:  اسمي سارة .فتهتك ضحكاته جدران أمنها : ما الفرق، كلكن نسوة . كأنه يمحو اسمها من الوجود.

في غرفة النوم كانت الطامة الكبرى ، لم  يكونا  أبدا جسداً واحداً، كان يقارن بينها وبينهن :  سلوى تفعل هذا أفضل"، "لوزة أخف دماً ، نوارة ليس لها شبيهة تغمض عينيها وتعد من واحد إلى عشرة، لعل الصبر يحميها. لكن ستائر الصبر تمزقت .

عجزت ان تكون امرأة واحدة لرجل واحد ،عجزت أن تكون أنثى تنتظر ،وتُنتُظر.

مرضت أمها بمرض خطير ،ساءت حالتها لتأخر اكتشاف الكانسر ،دخلت غرفة العمليات. اتصلت  به وهي تبكي: تعال ،ليس لى ملجأ سواك ، أمي تنازع فى احواض الموت  ، قال لها: عندي عمل مهم، عندك أخوكِ . دخلت لأمها  وحدها وخرجت وحدها. ومن ذلك اليوم مات جزء من قلبها، يسمى  الاحتواء.

حملت  بغير رضاه ، هو لا يرفض الأبوة ،لكنه يرفض المسؤولية الناتجة من هذه الكلمة ، تمنت ان يغيره طفله ،يرقق قلبه ،يدق لها وتدا فى بيتها بوجوده. فرحت كثيراً. اشترت جوارب صغيرة زرقاء ووضعتها في درج مكتبه لتفرحه. عاد في الليل سكراناً، رأى الجوارب وضحك قائلا: أطفال؟ من امرأة باردة مثلك . وفي اليوم التالي سقط الجنين. وهي ملقاة على أرض الحمام تتألم، سمعته يرد على مكالمة  من "لوزة ".يتغزل فى مفاتنها ،وضحكتها الخلابة ،علت ضحكتهما فى الصالة ،سماعة الهاتف مفتوحة لانشغاله بارتداء ملابسه ،أسقطتها ضحكتها ارضا ،فسقط معها الحلم.

سقوطها على  الأرض مضرجة بدمائها ، أعاد بها الزمن إلى الثامنة من عمرها. 

تذكرت عصبية والدها ،  يوم كسر الطبق على الأرض وشتم أمها أمامها. جرت  واحتضنت ساق أمها وقالت: لا تبكي يا أمي .

مسحت الأم دموعها وقبّلت جبينها وقالت لها:  اصمتي يا ابنتي. الرجل إذا طار، فالمرأة هي التي تحمل العش. اصبر كي تسير السفينة .

منذ ذلك اليوم حملت سارة الوصية على ظهرها. كبرت وهي تؤمن أن المرأة الصالحة هي التي تصبر وتسكت. لذلك عندما كسرها آدم، لم ترحل, تحملت، لأن السفينة يجب أن تسير، حتى لو غرقت هي في قاعها.

حاولت لفت انتباهه بشتى الطرق،تعلمت الطعام الذي يحبه، غيرت شكلها، حفظت كلامه ليضحك. حولت نفسها إلى فتاة ليل تخصه وحده ،فشلت فى جذبه والابقاء عليه ،عينه فارغة بحجم محيط ، كتبت له رسالة: خذ بيدي إلى الله، آخذ بيدك إلى الجنة . وضعها تحت كوب الشاي حتى ذاب الحبر. قال لها: كفي عن المبالغة ، أنتِ زوجتي لا معلمتي ،ما انتى سوى تحفة غالية الثمن ، تزين أي نيش تلقى فيه ،لابد من اقتناءك .

حاولت, فشلت, حاولت, فشلت, حتى تعبت المحاولات منها.

في إحدى الليالي عاد متأخراً ورائحة عطر امرأة أخرى تملأ ثيابه. ألقى مفاتيحه على الطاولة ودخل الحمام دون كلمة. وقفت سارة في المطبخ وحدها تغسل صحونه المتسخة. كانت المياه الساخنة تنزل على يديها، ودموعها تنزل معها بصمت. كل طبق تغسله كان ذكرى. هذا الطبق أكلا فيه أول يوم زواج. وهذا الكوب شربا فيه قهوة الصباح. كانت تغسل الماضي مع الصحون، والماء لم  يفرق بين الوسخ وبين دموعها. حتى أثرت الموت على الحياة برفقته.

في ليلة أخرى نام آدم على الأريكة من شدة السكر، وترك هاتفه مفتوحاً على صدره. اقتربت منه بحذر، لم ترد التجسس، لكن الشاشة أنارت وحدها برسالة جديدة. قرأت دون إرادة: اشتقت إليك يا بطل، متى أراك؟. وتحتها رسائل قديمة بأسماء كثيرة: ليلى، نوارة، ريم.أما الرسائل الموقعة بصور عارية تماما ،كانت  كلها باسم غاليتي . كل رسالة  سكيناً صغيراً. اجتمعت السكاكين كلها في قلبها حتى لم يعد فيه مكان للتنفس. أغلقت الهاتف وتركته، وعادت إلى غرفتها قررت النوم  بظهرها له، كأنها تبني سوراً بينهما.

فى  تلك الليلة رأت حلماً غريباً. كانت واقفة أمام باب كبير من نور، مكتوب عليه ملجا الصابرين . مدت يدها لتطرق الباب، فتح شيخ يغطى النور ملامح وجهه . جذبها ادم بشدة من الخلف  نظر إليها ببرود وقال: ليس لكِ مكان هنا .هذا وهمك الذى خلقتيه بخيالك المريض . أغلق الباب في وجهها بقوة. استيقظت على صوت قلبها، ووجدت وسادتها مبللة. في الصباح سألها مستهزئا: لماذا عيناكِ منتفختان؟  لم تجب. كيف تخبره أنها طردت من الجنة مرتين: مرة في الحلم، و مرة كل يوم في الحقيقة.

لم يعد الشتاء فصل من الفصول ،حيث استقر الصقيع تحت جلدها أبد الأبدين ، انقرض الدفء من حياتها ،كالمعتاد  عاد وعلى عنقه أثر شفاه حمراء. لم يمسحه. جلس يأكل وسألها: الملح قليل لماذا؟ دخلت الحمام ونظرت في المرآة. الملاك الذي تزوجته قبل سبع سنوات اختفى. 

فهمت في تلك اللحظة سراً خطيراً: الشيطان لا يتغير. الشيطان يكبر بالصبر عليه  حتى يأكلك ، يحيا بالخوف ليحتلك.

ذهبت إلى امرأة كبيرة في آخر الشارع، ظهرها محني وعيناها صفراوان.  تطلب النجاة ،قالت لها المرأة:  من يذهب إلى السحر تضيع روحه . أجابتها سارة بصوت منخفض: روحي ضاعت يوم ناداني باسم امرأة أخرى.

اردفت العجوز : الجنة لا تخرج منها امرأة وحدها ،يخرج منها اثنين ،واحد بخطيئته ،والثاني بجرح قلبه.

قالت : أقبل.

ليس لي الآن فى الجنة اشتهاء ،كل ما ارجوه منك أن أرى فيه يوما يشفى غليلى ،ويغسل جرحي ،حتى وان ترك بعده ندبة لا تغتفر..

كتبت اسمه بدمها وربطته بخيط أسود. لم تفعل ذلك حباً في الانتقام. فعلته لأنها لم يعد لديها شيء تخسره إلا نفسها. باعت النور الذي فيها، ليس حباً في الشيطان، بل كرهاً في الرجل الذي جعل النور وجعاً.

في اليوم التالي استيقظ آدم على سكوت ثقيل. نادى: أين القهوة؟ لا أحد يجيب. نادى بغضب: سارة ؟ فأجابه الصدى وحده. قام يبحث عنها. السرير مرتب، الخزانة مفتوحة، لكن علبة الجوارب الزرقاء الصغيرة غير موجودة في الدرج.

خرج إلى الشرفة. شجرة الليمون وحدها، والريح تحرك أوراقها كأنها تنادي اسمه.

عاد وأمسك هاتفه. آخر رسالة من احدى العشيقات : "مللت منك، أنت فارغ". وعملت له حظراً.

جلس على طرف السرير. لأول مرة منذ زواجهما شعر ببرد  لا تدفئه امرأة ولا يغطيه لحاف. مد يده إلى مكانها في السرير، فلم يجد إلا مكاناً فارغاً بارداً كالثلج.

وفي آخر الشارع، وقفت سارة أمام البحر. تحمل علبة الجوارب الزرقاء. لم ترمها. احتضنتها وبكت بكاء طفل صغير. همست للبحر: "سامحني يا رب... لكنه هو الذي علمني أن الملاك إذا انكسر، يصبح جناحه سكيناً. نزلت بعض خطوات فى البحر ،وصل الماء إلى ركبتيها ،ضمت علبة الجوارب بشدة .

مساحة إعلانية