مساحة إعلانية
تعرف التخمة بأنها نوع من أنواع اضطراب المعدة بعد تناول كميات كبيرة من الطعام بسرعة، دون إدراك لكمية الطعام المتناول ولا فائدته الصحية، وأحياناً نتناوله دون أن نشعر بالجوع، ولكن ما نحن بصدد الحديث عنه في هذا المقال ليس التخمة بمعناها الطبي أو النفسي، ولكن بمعناها الاجتماعي، ولكي نفهم هذا المصطلح الاجتماعي، فإنه علينا الإجابة على سؤالين رئيسين، وهما:
أولاً: ما هي التخمة الاجتماعية؟
ثانياً: ما هو عصر الأزمة؟
أقصد بالتخمة الاجتماعية بالرفاهية الزائدة التي يتمتع بها الإنسان المعاصر بسبب التكنولوجيا وأدواتها، مما جعله منعزلاً عن الناس، الأمر الذي أثر سلباً في التنظيم الاجتماعي للجماعات بكافة أنواعها الأولية والثانوية. فالغرض الرئيسي لنشأة أي تنظيم اجتماعي هو التعاون من أجل تحقيق هدف ما يخدم الجماعة ويلبي احتياجاتها، ومع زيادة حجم الجماعة فإنها تحتاج إلى المزيد من الأعضاء، فضلاً عن القوة في أداء التنظيم.
تميز عصر التكنولوجيا بحلول الآلة محل الإنسان، وارتخاء حبال الروابط الاجتماعية، فقل اعتماد الإنسان على الآخرين. وتغير مفهوم روح الجماعة إلى مفهوم الفردية والاستحقاقية، وتحول مفهوم "الإيثار" إلى "أنا أولاً" أو مصلحتي.
لم تكن التكنولوجيا وحدها هي التي أدت إلى ظهور هذه الأيديولوجيا ، فالتطور التكنولوجي له أثره الاقتصادي والسياسي في النظام الدولي والعالمي. فالمنطلقات الليبرالية وضعت قيمة الفرد وملكيته وحريته أكبر من المجتمع نفسه، ومع انتشار الليبرالية الجديدة بدءاً من الولايات المتحدة الأمريكية، والتي جعلت من اللامساواة الاجتماعية أهم سمات المجتمعات المعاصرة، وحمّلت الفرد – لا المؤسسات والنظم الاقتصادية المهترئة- مسؤولية فقره وعدم نجاحه. وغرست وسائل التواصل الاجتماعي هذه الرؤية والأيديولوجيا، وكذلك أظهرت حجم الفجوة بين الفقراء والأغنياء، فأظهرت حياة الرفاهية والثراء لكثير من الأشخاص، ولم يتوانى كثير من المؤثرين في تحميل مسؤولية الفقر للأفراد أنفسهم، كما يدعي البعض: "أنت فاشل لأنك لم تصبح مليونيرا وعمرك ثلاثون عاماً". هذه العوامل أدت إلى زيادة تقليد الطبقات الفقيرة والمتوسطة لهذه الطبقات والبحث عن الثراء السريع مهما كانت الوسيلة.
وبطبيعة الحال يمكننا أن نسأل: هل الفرد أم الدولة هي المسؤولة عن تلك الفجوة بين الأغنياء والفقراء من ناحية، وبين التفكك الاجتماعي من ناحية أخرى؟!. إننا سنجد أنفسنا أمام نتائج مركبة أكثر تعقيدًا عندما نتتبع السبب والنتيجة، وهذه الإشكالية تكمن في تطور المجتمعات من الناحية التكنولوجية؛ لأن المجتمعات قديمًا كانت صغيرة الحجم ولها تأثيرها القوي من الناحية الثقافية والضبط والجزاء على الفرد، فهذا يؤدي إلى الامتثال الاجتماعي وضبط الجماعة، لأن العقاب الجماعي للفرد عن طريق الإقصاء أو الطرد كان من أشد أنواع الجزاءات التي قد يلقاها الفرد في هذه المجتمعات البسيطة، ويمكن أن نطلق عليها مرحلة "الطفولة" للفرد فحياته وتقديره لذاته يعتمد على ما يقدمه للجماعة وإثبات الولاء. ونظرًا لكبر حجم العالم وعدم القدرة على السيطرة على البيئة، كانت الجماعة تعد بمثابة الأم التي تعطي للفرد الأمان والانتماء وكافة الاحتياجات الثقافية، وكانت هذه المرحلة من حياة الإنسان تتسم بالحركة؛ فمصدر الطاقة الرئيسي للإنسان هو جسده وقوته العضلية، وعلى الرغم مقدار الطاقة المستهلكة في العمل الشاق في الأعمال مثل الزراعة أو الصيد والجمع والصناعات البدائية التي كانت تعتمد على صهر الحديد ومن ثم البخار حتى الطاقة النفطية، إلا أن الروابط الاجتماعية كانت أكثر عمقًا. ومع تكريس مفهوم وقت الفراغ على التجمع الأسري والاحتفال الاجتماعي أو النشاط الرياضي، فطاقة الإنسان تستخدم للإنتاج المادي والإنتاج الاجتماعي، وهذا ينعكس إيجابًا على صحة الإنسان الجسدية والعقلية، فأحد ملامح هذه الصحة الإيجابية هو الوزن الصحي ، وسلامة العقل والحضور الذهني، والمشاركة الاجتماعية والسياسية في المجتمعات، وانطلاق الثورات الاجتماعية الداعية للتغيير وظهور الأفكار الداعية للاستقلال والتحرر، على النقيض من العصر الحالي التي يمكن أن نطلق عليها مرحلة البلوغ أو النضج، لا أقصد ما كان يقصده علماء الاجتماع بوصول المجتمع إلى التنوير والعقل بعدما كان في مرحلة بدائية، ولكن ما أقصده هو أن مقدار التطور التكنولوجي أدى إلى التخمة الاجتماعية وزيادة الفردية، فسرعة التنقل وتلبية الاحتياجات من خلال التكنولوجيا، مكنته من الاستغناء بشكل كبير في اعتماده على الآخرين وزادت حدة تمركز الفرد حول ذاته، فأصبح تفكير الفرد من التفكير في المجتمع إلى التفكير في الانعزال، والابتعاد عن الناس، فأصبح تنظيم الجماعة أو المجتمع صورة بنائية خالية من التساند الوظيفي من الناحية الترابطية وليس التنظيمية، وإن كانت التكنولوجيا ستؤدي لاحقاً إلى إحلال الآلة والذكاء الاصطناعي محل الإنسان وذكائه. فأزمة العصر الحالي ليست في مشكلة الكوارث البيئية أو الحروب فقط، بل الإنسان أيضاً، فأزمة الإنسان في فعله وسكونه، في فعله عندما يتحول الفعل إلى فعل يؤذي غيره من بني البشر أو يسيطر عليهم أو يستغلهم، ولامبالاته في اغترابه عن ذاته الحقيقية وعن المجتمع الذي ينتمي إليه، فالانتماء والتعاون والتكافل فقدت معناها ومضمونها. إن اللامبالاة والإنسان وتمركزه حول ذاته لإشباع رغباته وشهواته هي ما تسببت في اغترابه وتخليه عن ذاته الحقيقية، ونفوره من بني جنسه، واستمتاعه بالآلة والتكنولوجيا، وإن كان هذا فيه نوع من المبالغة إلا أن هناك كثيراً من الشواهد التي تبين ذلك النفور، وهو على سبيل المثال عزوفه عن المشاركة الاجتماعية واكتفاؤه بالتفاعل الرمزي عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك. يتفاعل الناس حول موقف وحادثة بالتعليقات أو الصورة الرمزية بشكل أكثر قوة إذا كانت الحادثة واقعية أو الموقف الاجتماعي حقيقياً، فعلى الرغم من كثرة الفقراء إلا أن تفاعل الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول فقير ما ومساعدته يأخذ حيزاً أكبر، والأمر الآخر والأكثر غرابة دون مبالغة وهي عزوف بعض الناس عن الزواج وتفضيل الدمى الجنسية عليه، أو ممارسة الزواج خارج نظام الأسرة ودورها كالمعاشرة دون زواج، وهذا يعد شكلاً آخر من أشكال العزوف الاجتماعي وأزمة من الأزمات الاجتماعية التي نواجهها في العالم الناضج الحديث.
والبدانة وأمراض السمنة من أشهر الأمراض العصر المنتشرة سواء رجالا او نساء وتغير معاها مفهوم الجمال، والتسلية، فالمرأة البدينة أصبحت المرأة الجميلة أو ما يطلق عليها في لغة الشباب "الكيرفي"، وأصبح من الشائع ان نرى الموظفين الرجال ذوي البطن الكبير، والنساء العاملات ذوات الكبيرة، وأما عن التسلية أصبح تناول الطعام بكمية كبيرة وبحجم اكبر، دون النظر للضرر وساعد في هذا المؤثريين او مايطلق عليهم " فوود بلوجر" ومطاعم الوجبات السريعه.
بعيدًا عن الرؤية التقليدية لأزمة الإنسان في كونه يتبع شهواته ويبحث عن المال وعن السعادة اللامحدودة، فإننا نجد أن أنفسنا أمام أزمة في عمق وجوهر الإنسان ذاته، واغترابه وبعده عن ذاته، وتماهيه بالذات التي اخترعها بنفسه، بل أصبح بالتكنولوجيا أسيرًا لها. ويعد هذا نوعًا آخر من الصنمية، عبّر عنها بشكل تفصيلي "إريك فروم" في كتبه، حيث يعبد الإنسان أي شيء يخترعه سواء كان عن طريق التكنولوجيا أو عن طريق غيره من البشر.
وفي نهاية القول، إننا نحن البشر علينا أن نعي لأنفسنا ونحب ذواتنا ونتقرب منها، فالتكنولوجيا وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية وليست وسيلة لعزلنا عن أنفسنا والعالم بأسره. لا يمكن أن تتوقف التكنولوجيا عن تطورها وتحقيق الراحة لنا، ولكن علينا أن نعي أن هناك مشكلة تتبعها، وهي الانعزال الفردي والتخمة الاجتماعية، وبالضرورة لها عواقبها من أمراض نفسية وجسدية. وفي نهاية المطاف، فإننا لن نتقبل الآخر أو نعترف بوجود إنسان آخر في حياتنا؟ وهذا لا يعني تفكك المجتمع، بل انهيار العالم.