مساحة إعلانية
الانشغال اللافت على بعض منصات التواصل الاجتماعي بتعليقات تتناول الشكل والمظهر والجمال للسيدات عضوات البرلمان لا يمكن اعتباره رأيًا عابرًا أو مساحة لـ«الهزار». ما يحدث يعكس أزمة وعي حقيقية، وانحدارًا خطيرًا في طبيعة النقاش العام، يستوجب وقفة جادة.
اللغة المستخدمة، وطريقة التناول، تُحيل المشهد إلى ما يشبه سوقًا لتقييم الملامح، لا ساحة لنقاش الأدوار والمسؤوليات. وهو أمر مخزٍ، لا ينتقص من قدر السيدات وحدهن، بل يسيء إلى المؤسسة التشريعية نفسها، ويكشف خللًا عميقًا في ترتيب الأولويات لدى قطاع من الرأي العام.
النائبة البرلمانية ليست صورة، ولا عنوانًا للجمال، ولا مادة للتداول السطحي. هي صوت ناخبين، ومسؤولية تشريعية، ودور رقابي يفترض أن يُناقش ويُقيَّم بميزان الكفاءة والفكر والقدرة على الفعل، لا بميزان المظهر والانطباعات السطحية.
القيمة الحقيقية لا تُختزل في الشكل، بل تُبنى بالعقل، وبالخبرة، وبالقدرة على الفهم والتشريع والدفاع عن قضايا المجتمع. وكل محاولة للهروب من مناقشة الأداء إلى التعليق على المظهر ليست سوى تعبير صريح عن فقر فكري وعجز عن الحوار الجاد.
المجتمعات الواعية تُحاسب ممثليها على ما قدموه، وعلى مواقفهم تحت القبة، وعلى قدرتهم على التعبير عن هموم الناس. أما المجتمعات التي تنشغل بالوجوه والملابس، فهي مجتمعات تُهدر طاقتها في الهامش، وتترك الجوهر يتآكل بصمت.
ما نشهده اليوم مؤشر مقلق على تفاهة متنامية في الخطاب العام، وغياب لمعنى المسؤولية في التعاطي مع الشأن العام. وهو ناقوس خطر لا يخص المرأة وحدها، بل يخص صورة المجتمع كله، وقدرته على احترام نفسه ومؤسساته.