مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

عودة الروح الثقافية .. بقلم الإعلامي خالد سالم

2026-09-02 02:11 PM  - 
عودة الروح الثقافية .. بقلم الإعلامي خالد سالم
خالد سالم
إعلان بنك saib

منذ فترة، طرحت على الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة السابق، فكرة بسيطة في شكلها، لكنها في رأيي عميقة في تأثيرها، وهي أن يكون هناك عدد من العازفين والموسيقيين في مراكز التسوق الكبرى، يقدمون مقطوعات موسيقية راقية لرواد المكان.

لم تكن الفكرة تستهدف مجرد تقديم موسيقى في أماكن التسوق، وإنما كنت أراها محاولة لإعادة الفن إلى تفاصيل حياتنا اليومية، وأن يلتقي المواطن بالفن والثقافة بعيدًا عن القاعات المغلقة والمسارح التقليدية.

وقد رحب الوزير بالفكرة، وطلب مني التواصل مع الموظفين المختصين لإبلاغهم بها.

ابتسمت وشكرته، لكنني ظللت أتساءل: لماذا لا تصبح الثقافة جزءًا طبيعيًا من حياتنا اليومية؟ ولماذا لا يجد الفنان مساحة حقيقية يقدم فيها موهبته؟

واليوم، وأنا أرى الفنان التشكيلي أحمد شوقي عبد الحكيم، حفيد الكاتب الكبير الراحل شوقي عبد الحكيم، صاحب الأعمال الأدبية والفنية الشهيرة التي ارتبط بها وجدان المصريين، ومنها «شفيقة ومتولي» و«حسن ونعيمة»، أتوقف أمام مشهد مؤلم لا ينبغي أن يمر علينا مرور الكرام.

فهذا الفنان عاش سنوات في الخارج، ويتحدث أربع لغات، وهو من سكان المقطم، ومع ذلك أصبح منذ فترة يفترش الأرصفة ليعرض فنه ويبحث عن مساحة للحياة والإبداع.

وهنا لا أتحدث عن شخص بعينه فقط، وإنما عن قضية أوسع تخص علاقة المجتمع بالفنان والمبدع.

مصر التي أنجبت كبار الموسيقيين والمطربين والفنانين التشكيليين والأدباء والمخرجين، لا ينبغي أن يكون فيها الفنان مضطرًا للوقوف على الرصيف حتى يجد من يشاهد أعماله.

ومن هنا أعود إلى فكرتي الأولى، وأضيف إليها اقتراحًا آخر:

لماذا لا تتحول مراكز التسوق الكبرى إلى مساحات ثقافية مفتوحة؟

لماذا لا نخصص داخل كل مركز تجاري مساحة لعازفين يقدمون الموسيقى الراقية؟
ولماذا لا نقيم معارض للفنون التشكيلية لفنانين مصريين، وخاصة الشباب وأصحاب المواهب التي لا تجد طريقها إلى صالات العرض الكبرى؟

يمكن أن نرى لوحات فنية إلى جوار الموسيقى، وكتبًا إلى جوار المقاهي، وندوات وفعاليات ثقافية بسيطة ومستمرة.

فالمول ليس مكانًا للبيع والشراء فقط، وإنما يمكن أن يكون أيضًا مكانًا للقاء الإنسان بالفن.

وهذه الفكرة لا تحتاج بالضرورة إلى ميزانيات ضخمة، بقدر ما تحتاج إلى رؤية وتنسيق وإرادة.

يمكن لوزارة الثقافة أن تتعاون مع إدارات مراكز التسوق، ونقابات الفنانين، والقطاع الخاص، ورجال الأعمال، والمؤسسات الثقافية، لإطلاق مبادرة وطنية بعنوان:
«عودة الروح الثقافية»
مبادرة تجعل الفن قريبًا من الناس، وتمنح الفنان مساحة محترمة لعرض موهبته، وتعيد اكتشاف المواهب التي ربما لا يعرفها الجمهور.

وأقترح أن تتضمن المبادرة أيضًا إقامة معارض دورية للفنانين المصريين في المحافظات ومراكز التسوق والميادين الثقافية، مع توفير فرص حقيقية للبيع والتسويق والتواصل مع الجمهور.

نحن لا نحتاج إلى أن نبحث عن الثقافة بعيدًا عن الناس.

بل نحتاج أن نعيد الثقافة إلى الناس.

وأعتقد أن دعم الفنان لا يكون فقط بتكريمه بعد أن يصبح مشهورًا، وإنما بأن نساعده على الاستمرار في الإبداع وهو في بداية الطريق، وأن نحمي كرامته ونفتح أمامه أبوابًا حقيقية.

إن مصر تمتلك ثروة بشرية وفنية هائلة، وما ينقصها في كثير من الأحيان ليس الموهبة، وإنما اكتشاف الموهبة، واحتضانها، وإتاحة الفرصة لها.

وأناشد وزارة الثقافة والمؤسسات الوطنية والقطاع الخاص أن ينظروا إلى هذه الفكرة باعتبارها مشروعًا ثقافيًا ومجتمعيًا، وليس مجرد فعالية عابرة.

فربما يكون العازف الذي نعطيه فرصة اليوم هو موسيقار مصر الكبير غدًا، وربما تكون اللوحة التي نضع لها مساحة في أحد مراكز التسوق هي بداية اكتشاف فنان تشكيلي يضيف صفحة جديدة إلى تاريخ الفن المصري.
عودوا بالفن إلى الشارع... ولكن في صورة تليق بالفنان.
عودوا بالموسيقى إلى آذان الناس... وباللوحة إلى عيونهم.
ولنجعل من كل مساحة عامة فرصة للقاء الإنسان المصري بفنه وثقافته وهويته.
فالثقافة ليست ترفًا، والفن ليس رفاهية.
الثقافة هي روح مصر... وحان الوقت أن تعود الروح..وشكرًا لكم... ودام فضلكم.

مساحة إعلانية