مساحة إعلانية
قال الله تعالى: "أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون." تختزل هذه الآية الكريمة مشهداً تتجدد فيه خيبات العهود وتتعرى فيه الوعود أمام واقع مثقل بالدماء والدمار والجوع والمعاناة. ففي غزة، تظل الهدنة حبراً على ورق .. عاجزة عن انتشال المدنيين من براثن الجوع أو توفير الحماية للنازحين أو وضع حد للقصف المتواصل. وبين تعهدات التهدئة وواقع المأساة، تتكشف فجوة عميقة بين الاتفاقات المعلنة وما يعيشه الفلسطينيون على الأرض، حيث يغيب الأمان وتتواصل المعاناة خلف ستار من الوعود المؤجلة. وهكذا يبقى أهل غزة أسرى الخوف والفقد والجوع يواجهون يوماً جديدا من الألم، فيما تتبدد آمالهم أمام استمرار الانتهاكات وتفاقم الكارثة الإنسانية. وبين أنقاض البيوت وخيام النزوح والموائد الخاوية تتجلى مأساة شعب يواجه أقسى أشكال الحرمان وسط عجز دولي تام عن ترجمة الالتزامات إلى خطوات ملموسة تنهي معاناته وتصون كرامته الإنسانية.
تتواصل فصول المأساة في غزة تحت غطاء هدنة عاجزة عن توفير الحماية للسكان، إذ تتجدد الاعتداءات وتستمر مشاهد القصف والدمار لتبقى حياة المدنيين رهينة الخوف من لحظة قد تحمل معها فقداً جديداً أو مأساة أخرى. وتزداد الصورة قتامة حين تمتد الهجمات إلى المخيمات التي احتضنت النازحين بعدما أجبرتهم الحرب على مغادرة منازلهم بحثاً عن ملاذ آمن يحمي أطفالهم من أهوال القصف الدائم. ففي تلك المخيمات المكتظة - حيث تفتقر العائلات إلى أبسط مقومات الحياة - تتبدد آمال النجاة تحت أصوات الانفجارات ويتحول المأوى المؤقت إلى مساحة أخرى يطارد فيها الموت كل أولئك الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق. إن استهداف مناطق النزوح وتعريض المدنيين للخطر المستديم يجسد عمق الكارثة الإنسانية ويكشف حجم المأساة التي يعيشها شعب يجد نفسه محاصراً بين القصف والتشريد وانعدام الأمن والأمان. وأمام هذا الواقع، تتأكد ضرورة التحرك العالمي الجاد وكل أولئك الذين يحملون في كيانهم بصيرة واعية وضمير إنساني حي لضمان حماية المدنيين ووقف الاعتداءات ومساءلة المجرمين عن الانتهاكات بعيداً عن الاكتفاء بالبيانات السياسية والوعود الهلامية التي تعجز عن تغيير واقع المعاناة.
وإلى جانب القصف والنزوح، يواجه سكان غزة مأساة التجويع الممنهج يوما بعد يوم حيث تتقلص فرص الحصول على الغذاء والمياه النظيفة والأدوية وتتحول الاحتياجات الأساسية إلى معركة يومية من أجل البقاء. هناك، يقف الأب عاجزاً أمام جوع أطفاله وتكابد الأم قسوة العجز وهي تبحث عن لقمة تسد بها رمق صغارها، بينما تتسع دائرة الحرمان في ظل الاحتياجات المتزايدة ونقص الإمدادات الإنسانية. إن حرمان السكان من مقومات الحياة واستخدام الغذاء وسيلة للضغط يضاعفان حجم الكارثة ويضعان ما يزيد عن اثنين مليون مواطن أمام ظروف معيشية بالغة القسوة تتجاوز آثارها الجوع الآني لتطال الصحة والكرامة الإنسانية وفرص البقاء. وهكذا تتكامل صور المعاناة في غزة؛ قصف يهدد الأرواح ونزوح يسلب العائلات استقرارها وتجويع يستنزف قدرتها على الصمود. وفي مواجهة هذه المأساة، يصبح ضمان التدفق المستدام والآمن للمساعدات الإنسانية وفتح المعابر أمام الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية مسؤولية عاجلة تتطلب أفعالاً ملموسة تتناسب مع حجم الكارثة.
إن ما تشهده غزة يستحضر دلالة قوله تعالى: "أوكلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون." في مشهد تتجسد فيه خطورة التنصل من المواثيق والاستخفاف بالالتزامات. فالتاريخ يختبر صدقية العهود بمواقف أصحابها وتكشف الأحداث حقيقة التعهدات حين تصطدم بالمصالح والسياسات على أرض الواقع. وفي غزة، تظل الهدنة مرهونة بمدى احترام الالتزامات المترتبة عليها فيما يدفع المدنيون ثمن الإخلال بها من أرواحهم وأمنهم وسبل عيشهم. إن الوفاء بالعهود مسؤولية أخلاقية وقانونية ومحاسبة المجرمين عن انتهاكها ضرورة لترسيخ العدالة وصون الحقوق وإعادة الحق إلى أهله. وستبقى مأساة غزة شاهدا على أن المواثيق تكتسب قيمتها من الوفاء بها وأن الشعوب التي تتعرض للظلم تظل صاحبة حق في الحرية والكرامة والحياة الآمنة مهما طال أمد المعاناة.