مساحة إعلانية
تُعد مدينة فاس واحدة من أعرق المدن الإسلامية في العالم، ومن أهم الحواضر الحضارية في شمال إفريقيا. إذ لعبت منذ تأسيسها في أواخر القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، دورًا محوريًا في التاريخ السياسي والثقافي والديني للمغرب والأندلس، بل والعالم الإسلامي. وفقد تميزت فاس بكونها مركزًا علميًا بارزًا، حيث احتضنت جامعة القرويين التي تُعد من أقدم الجامعات في العالم، كما حافظت على نسيجها العمراني التقليدي الذي يعكس الطابع الإسلامي الوسيط. وقد تم إدراج مدينة فاس العتيقة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي برقم 170 عام 1981، نظرًا لغناها المعماري والثقافي، ولكونها تمثل نموذجًا فريدًا للمدينة الإسلامية التقليدية التي حافظت على هويتها عبر القرون. حيث تعد مركزًا حضاريًا متكاملًا يجمع بين العلم والدين والتجارة والفنون للبلاد. ولا تزال شاهدة على عظمة الحضارة الإسلامية في المغرب والأندلس.
تقع مدينة فاس في شمال وسط المملكة المغربية، في منطقة سايس بين جبال الأطلس المتوسط شمالًا وجبال الريف جنوبًا، وتخترقها وديان متعددة أهمها وادي فاس. وتكمن أهمية الموقع في أنها تمثل نقطة وصل بين شمال المغرب وجنوبه، وحلقة وصل بين المغرب والأندلس تاريخيًا، ومركز تجاري بين إفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا، وبيئة زراعية خصبة ممثلة في سهل سايس.
أسس مدينة فاس إدريس الأول، عام 789م، ثم قام ابنه إدريس الثاني بتوسيع المدينة عام 808م، حيث أنشأ عدوة القرويين وعدوة الأندلسيين. وقد أصبحت فاس في العصر الإدريسي عاصمة الدولة الإدريسية، حيث استقبلت مهاجرين من الأندلس والقيروان، وتشكلت ملامحها الثقافية العربية الإسلامية. وفي عصر المرابطين خلال الفترة من عام 1040 حتى عام 1147م، تم توحيد العدوتين، وبناء أسوار المدينة، وتطوير البنية التحتية. وفي عصر الموحدين خلال الفترة من عام 1147 حتى عام 1269م، حدث تراجع نسبي لدور فاس لصالح مراكش، رغم استمرار النشاط العلمي. وفي العصر المريني خلال الفترة من عام 1244 حتى عام 1465م شهدت فاس عصرها الذهبي، حيث أصبحت عاصمة المملكة بدلًا من مراكش، وتم إنشاء فاس الجديدة، وبناء المدارس مثل "العطارين، بوعنانية"، بالإضافة إلى الفنادق والقصور والبيوت والمساجد والينابيع، ومن ثم ازدهر العلم والعمران. وفي العصرين السعدي والعلوي، استمرار الدور الديني والعلمي لمدينة فاس، إلى جانب تجديد المعالم العمرانية. وخلال فترة الاستعمار الأوروبي خلال الفترة من عام 1912 حتى عام 1956، تم بناء فاس الجديدة "الحي الأوروبي"، وتراجع الدور السياسي للمدينة لصالح الرباط العاصمة. وفي العصر الحديث، وعلى الرغم من نقل مركز العاصمة إلى الرباط عام 1912، فقد حافظت فاس على موقعها كعاصمة ثقافيّة وروحيّة للبلاد، حيث تم الحفاظ على التراث التقليدي.
تتميز فاس بتخطيط عمراني فريد ومتنوع، فمدينة فاس البالي "المدينة العتيقة"، تعد أكبر مدينة خالية من السيارات في العالم، وتتميز بأزقتها الضيقة المتعرجة، وتقسيمات وظيفية للعمران ما بين أسواق، وأحياء، وحرف. أما فاس الجديدة، والتي بنيت في العصر المريني، فتضم القصر الملكي، والمركز الإداري. أما المدينة الحديثة، فقد بنيت في عهد الحماية الفرنسية، وتتميز بتخطيط أوروبي.
تحتفظ مدينة فاس القديمة، في جزء عريق يضم العديد من المباني الأثرية، بذكرى العاصمة التي أسستها الدولة الأدريسية بين عام 789 وعام 808 م. وكانت المدينة الأصلية تتألف من منطقتين محصنتين كبيرتين يفصل بينهما وادي فاس "ضفاف نهر الأندلس وضفاف نهر القيرواني". وفي القرن الحادي عشر، أعاد المرابطون توحيد المدينة داخل سور واحد، وفي عهد الموحدين خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر، ونمت المدينة الأصلية "فاس البالي" إلى حجمها الحالي. في عهد المرينيين من القرن الثالث عشر إلى الخامس عشر، تأسست مدينة جديدة "فاس الجديد" عام 1276 غرب المدينة القديمة "فاس البالي". وتضم هذه المدينة القصر الملكي، ومقر قيادة الجيش، والتحصينات، والمناطق السكنية. ففي ذلك الوقت، تطورت مدينتا فاس القديمة في تناغمٍ تام، لتشكلا إحدى أكبر المدن الإسلامية، ممثلةً تنوعًا هائلًا في الأشكال المعمارية والمناظر العمرانية. وتضمّان عددًا كبيرًا من المعالم الدينية والمدنية والعسكرية التي أسهمت في نشأة مجتمع متعدد الثقافات. وتتميز هذه العمارة بتقنيات البناء والزخرفة التي تطورت على مدى أكثر من عشرة قرون، حيث تتداخل المعارف والمهارات المحلية مع إلهامات خارجية متنوعة أندلسية وشرقية وأفريقية. وتُعتبر مدينة فاس القديمة من أوسع المدن التاريخية وأفضلها حفظًا في العالم العربي الإسلامي. ويحافظ فضاءها الحضري غير المعبّد على معظم وظائفه وخصائصه الأصلية. فهي لا تمثل فقط تراثًا معماريًا وأثريًا وعمرانيًا بارزًا، بل تنقل أيضًا نمط حياة ومهارات وثقافة صمدت وتجددت رغم تأثيرات المجتمعات الحديثة المتطورة.
تحتضن مدينة فاس العديد من المعالم التاريخية والأثرية، أهمها جامع القرويين الذي تأسس عام 859م على يد فاطمة الفهرية، والذي يعد أقدم جامعة في العالم، ومركز علمي عالمي. أما جامع الأندلسيين فقد أسسته مريم الفهرية، ويعكس الطراز الأندلسي. وتعد مدرسة العطارين من أجمل المدارس المرينية لما تتميز به من زخارف هندسية ونقوش قرآنية. أما مدرسة بوعنانية فهي بمثابة مدرسة ومسجد، وبها ساعة مائية تاريخية. يعد باب بوجلود البوابة الرئيسية وتحتوي على زخارف عتيقة رائعة وتمثل الرمز المعماري لمدينة فاس. أما دار المخزن "القصر الملكي" فهو مقر الحكم، وبه بوابات مزخرفة. تعد المدابغ "دار الدباغة" من أقدم الصناعات التقليدية للجلود، ومن أقدم الورش الحرفية.
تُعدّ مدينة فاس القديمة شاهدًا حيًا على ازدهار مدينة في شرق البحر الأبيض المتوسط، مارست تأثيرًا كبيرًا، لا سيما بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر، على تطور العمارة والفنون الأثرية والتخطيط العمراني، وخاصة في شمال إفريقيا والأندلس وجنوب الصحراء الكبرى. وقد استُلهم تصميم فاس الجديدة من نموذج مراكش السابق في التخطيط العمراني.
تُشكّل مدينة فاس القديمة مثالًا بارزًا لمدينة من العصور الوسطى، أُنشئت خلال القرون الأولى من دخول الإسلام إلى المغرب، وتُقدّم نمطًا فريدًا من الاستيطان البشري والاستخدام التقليدي للأرض، وهو ما يُمثّل الثقافة الحضرية المغربية على مدى فترة تاريخية طويلة من القرن التاسع إلى بداية القرن العشرين. ويُعدّ حيّ المدينة القديم المُجزّأ، بكثافته العالية من المعالم ذات الطابع الديني والمدني والعسكري، أمثلةً بارزةً على هذه الثقافة، وعلى التفاعل الناتج مع مختلف شرائح السكان، والذي أثّر في التنوع الواسع للأشكال المعمارية والمناظر الحضرية.
تتمتع مدينة فاس القديمة بالحماية بموجب النصوص القانونية المحلية والوطنية، وذلك للحفاظ عليها وتعزيز إدراجها في قائمة التراث العالمي على المستوى المحلي، ولا سيما بموجب المرسوم رقم 2- 81- 25 الصادر في 22 أكتوبر 1981 لتنفيذ القانون رقم 22- 80 بشأن صون المعالم والمواقع التاريخية والنقوش والتحف الفنية والآثار. ونظرًا لحساسية الموقع، فقد اعتمدت الدولة خطةً لتطوير المدينة القديمة عام 2001. ويُعاد تقييم هذه الخطة كل عشر سنوات. ويتضمن البرنامج أحكامًا خاصة بالحي القديم، ويهدف إلى ترشيد وتنظيم التدخلات الحضرية اللازمة. وفي إطار برنامج تعزيز السياحة الإقليمية، اتخذت السلطات المحلية إجراءات لحماية المنازل المهددة بالانهيار وترميم المعالم الأثرية البارزة في المدينة القديمة. وقد أُسند تنفيذ هذا البرنامج إلى وكالة تخفيف الكثافة السكانية وترميم مدينة فاس القديمة. وتتولى وزارة الثقافة مسؤولية فحص الآثار التاريخية، ما يضمن رصد هذه المشاريع والإشراف عليها وفقًا للمعايير الوطنية والدولية لصيانة الآثار التاريخية.