مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

ثقافة x ثقافة

فلسفة الطرح السينمائي في ملكوت مصطفى جوهر

2023-07-10 03:15 AM  - 
فلسفة الطرح السينمائي في ملكوت مصطفى جوهر
محمد رمضان - ناقد
منبر

بقلم :محمد رمضان


السينما أو الفن السابع، هي الطعام المستساغ لدى معظم الناس إن لم يكونوا جميعًا، شأنها شأن وسائل التسلية والترفيه المختلفة، لكنّ السينما بالأخص تتميز بحضورها الكامل لدى جميع الأعمار والمراحل المتعددة من بني البشر، فهي مصدر المتعة الجاهز لدى المشاهد العادي، وهي أداة من أدوات الفكر والتأمل لدى مَن تتجلى عقولهم للغوص في أعماق الغيبيات والمسكوت عنه، فالفيلم في نظر المثقفين يعني الحياة بمعطياتها ومآربها، بتفاصيلها البسيطة المعبّرة عن كُنه الإنسان، وهو يمثِّل الوجود المكتمل من وجهة نظر المؤلف، ثم تُصوِّر التركيبة الأيدولوجية المرسومة بريشة المخرج وبقيّة صنَّاع العمل، هذه الدنيا أو هذا الوجود بطريقة فنية مُركّبة، تعانق أفكارَ المُشاهد أو المتلقي بمعانٍ متفاوتة، تحكمها تقاليد وأعراف ونشأة المجتمعات، بأساليبَ وطرائقَ تختلف بألوان تلك القواعد والأعراف. ولذلك يظل تعبير السينما تعبيرًا مطّاطيًا، يعكس بمرآته الظلمَ أو القوةَ أو الإثارةَ أو الفتنةَ أو السردَ التاريخي لمجتمعٍ ما، بالكيفية الدرامية أو الوثائقية، وما إلى ذلك من الصور والقوالب الفنية المختلفة، ولذلك فالشاشة بمفهوم السينما هي صاحبة الكارت الذهبي لولوج الأبواب الرئيسة للعقل والقلب وأحيانًا العقيدة. وأمّا كتاب "أجنحة في الملكوت" ــ قراءات في السينما، للشاعر والناقد مصطفى جوهر، فهو مولود معيّة المؤلف للسينما، وتجلّياته بين مفرداتها المتعددة في شتى أركانها، فيخبرنا في سطوره التقديمية، أن الشاشة الفضية محرابٌ يجذب إليه المبدع والمتلقي من أهل الفن، وعن اختصارها لفجواتٍ كثيرة من الأُميّة، وأردف أيضًا عن تأثيرها الواضح في المجتمعات، بحيث وضعتْ حلولًا ـ أي السينما ـ للكثير من القضايا اليومية، وهو ما جعلها تمثِّل أحيانًا دورَ المُشرِّع القضائي لبعض القضايا الماسّة لصلب المجتمع والشارع. بدأ الكاتب سرده الفيلمي الذي يتكون من اثني عشر عملًا،  بعملٍ من أعمال السينما الأمريكية "The Book Of Eli" أو "كتاب المصطفى" لـ دنزل واشنطن، وهو فنان أمريكي أسمر - كما هو معروف - والفيلم يتحدث في المستقبل، حاملًا السمةَ التي ترتدي قماشة الموروث الديني، بالحديث عن الكتاب المقدس الموجود في يد أهل الحي الشرقي، وكتابته بطريقة برايل ـ طريقة العميان ـ وهو ما يوحي بالغموض وعدم الرؤية.وقد أثار الكاتب في تفنيده لهذا الفيلم عدة نقاط مهمة، منها إشارته لمَحرمة أهل فلسطين التي يرتديها البطل، والتي تبدو كإشارة إلى النضال والدفاع عن القضية، ثم أحقية الحاكم وحدَه قراءةَ وتعيين الاستفادة من الكتاب، والتنويه بكثرةِ مَن يفتحون المغاليق، والتفويض الإلهي للحكام في فرض السطوة على الشعب، ثم الوجود النهائي للكتاب في الغرب، كل تلك النقاط التي أشار إليها الأستاذ جوهر في هذا الفيلم تدل في مضمونها على عذاباته لِما تعانيه الشعوب من سطوة السياسة في كل زمان، وأن الحفظ والترتيل للكتب وإن كانت مقدسة، لا يعني شيئًا إن لم يكن التأثير جوهريًا على فعل المرءِ وتعاملاته. ويتوالى سرد الأفلام من الكاتب بطريقة تبدو قصائدية بعض الشيء، فثمانية أفلام من الاثني عشر، تحمل وصفًا فلسفيًا من المؤلف، "أرض الخوف ـ مأساة إبليس" و"أفاتار ـ بين الإمبريالية وشجرة الروح" و"باب الحديد ـ بوابة حياة"، وبعض الأفلام التي عنونها الكاتب أو صوّرها إن جاز التعبير بعدستِه الشعرية الخاصة، بيد كأنه يكتبها ويعنونها من جديد بذائقته ورؤيته الإبداعية "دكان شحاته - قصيدة الصورة الكلية"،  "رسائل البحر - نصٌّ موازٍ"، "صياد اليمام - قصيدة سينمائية". والدلالات الفلسفية للعناوين كما ذكرنا آنفًا، تُظهر البُعدَ الفلسفي المقصود في سطور مقدمة الكتاب، خاصةً الاستدلال بالأنبياء وقصصهم في أكثر من موضع، وهو ما يشير إلى توظيف الموروث الديني عند المؤلف بشكل تناغمي مع الأعمال التي اختارها في كتابه هذا، وهو ما يجعل المتلقي لا يستطيع الركض بين السطور، حيث التحرّي عن المقاصد المطروحة، والتي تناقش الأصولية الإنسانية تحت شعار المقدّس، حتى الكذب في فيلم "اختراع الكذب" خلق منه الكاتب نصًّا دنيويًّا مقدسًا، بحيث يحيد بعض الأفراد في هذا العمل عن الحق المتوارث لديهم بقصدٍ أو بغيره، حيث جعل البطل يُعبِّر عن الكذب بذاته كمفهوم للصدق والحقيقة. لقد آثار الكاتب العديد من فلسفيات وتجليات الحياة، سواءٌ المحجوبة أو الظاهرة، وبكل المعاني والأشكال بشكل فني سينمائي مثير، حيث التنوعية الفيلمية بين الغربي والعربي والأسيوي، مما يدل على ترادف الفعل الإنساني بين مختلف الألسن والجينات والطبقات لديه، وهذا نتاج ثقافته الفنية، فضلًا عن ثقافته التشكيلية التي أتاحت له رسْمَ حقلٍ سينمائي متعدد الوجهات، بالإضافة إلى شاعريته المعروفة، مما ساعده على طبخِ الشِعري والفني والسينمائي في إناءٍ واحد. وختامًا: لقد صنع المؤلف أدبَه السينمائي الخاص في هذا الكتاب، مترجّلًا بين مختلف الثقافات والحضارات، وبخاصةٍ البدايةَ بفيلم "كتاب المصطفى"، وكأنه يشير وينظر للقارئ أو المتلقي ويقول: هذه سطوري وتلك أفكاري، فالسينما هي مرآة عقلي التي فيها أراني.

مساحة إعلانية