مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قراءة لقصيدة تجاعيد الأفق للشاعر الكبير عبد الستار سليم ..بقلم معلاوي أمين

2026-04-25 03:17 AM  - 
قراءة لقصيدة تجاعيد الأفق للشاعر الكبير عبد الستار سليم ..بقلم معلاوي أمين
الشاعر والباحث عبد الستار سليم

بقلم / الكاتب والشاعر معلاوي أمين
دبلوم دراسات عليا في التفاوض الدولي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة 


قراءة إشراقية تَكشفُ عن المَسْكوتِ عنه في "حكمةِ الإشراق":
 
عتبة العنوان 

الأُفُق: (مَشرقُ الأنوارِ ومَقامُ البَرْزخ)
في فلسفةِ السهروردي، "الأفق" ليس خطاً وهمياً، بل هو "البَرْزخُ الأكبر".
  هو النقطةُ التي يَلتقي فيها "النورُ القاهر" (الميتافيزيقا) بـ "الغَسَقِ المادي" (الفيزيقا).
  الأفقُ هو "مَشرقُ" النفسِ الناطقة حين تَنخلعُ عن بَدنِها لِتُعاينَ الأنوارَ المُجردة. لذا، فالأفقُ في العنوان يُمثلُ "بوابةَ الكَشف"؛ هو المَدى الذي يَنتظرُ فيه الشاعرُ بُزوغَ "النورِ الإسفهبدي(النورالقائد) " (المحبوب/الحقيقة).

التَّجاعيد: (تموُّجاتُ الفَيْضِ وانكسارُ الضَّياء)
االتجاعيدُ إشراقياً هي 

"تَموجاتُ النور" حين يَصطدمُ بِقوابلِ المادةِ الكثيفة.
  النورُ في ذاتِه بسيطٌ ومُستوٍ، لكنه حين يَنعكسُ على "مِرآةِ العالَم" المادية، يَظهرُ في شكلِ "تجاعيد" أو "تضاريس".
  هذه التجاعيدُ هي "أثرُ المعاناةِ الوجدانية"؛ فكأنَّ الأفقَ (الذي هو مَحلُّ اللقاء) قد هَرِمَ من طولِ الانتظار، أو تخدَّدَ من شِدَّةِ "الأشعةِ النورية" التي تَخترقُه. هي "الندوبُ" التي يتركُها الوَجْدُ في جَسدِ اللغة.
العتبةُ الكُلية: (تجاعيدُ الأُفُق)
عندما نجمعُ اللفظين، نجدُ أنفسَنا أمام مَفهومِ "الرؤيةِ المُنكسرة". 

إشراقُ الحيرة: العنوانُ يُوحي بأنَّ الحقيقةَ التي يَنشدُها الشاعرُ ليست "مُسطحة" أو سَهلةَ المنال، بل هي حقيقةٌ ذاتُ "ثنياتٍ وأغوار".
 قِدَمُ العالم: التجاعيدُ تُشيرُ إلى "القِدَم"؛ أي أنَّ هذا الشوقَ وهذا الأفقَ هما أزليانِ قِدَمَ النورِ والظلمة.
 #حِجابُ المَظهر: التجاعيدُ هي "حُجُبٌ" رقيقة تَمْنعُ الرؤيةَ الكلية؛ فالشاعرُ لا يَرى الأفقَ صافياً، بل يراهُ مُجعداً بـ "خَيالاتِ المِثال" و"صورِ الوداع".
 
"تجاعيد الأفق": 
هو عنوانٌ يَعني "تَجَلِّي القَديمِ في لِباسِ الحَدث". إنه اعترافٌ إشراقي بأنَّ المسافةَ بَيْن "الخالق" (النور) و "المخلوق" (الميناء/السفر) قد تخدَّدتْ بِفعلِ "زفراتِ الشوق".
العنوانُ هو: 
"خريطةُ الانكسارات" التي سَيَسلكُها الشاعرُ في قصيدتِه؛ فلا وُصولَ للنورِ إلا عبرَ عُبورِ هذه التجاعيد، ولا فَهْمَ لِلأفقِ إلا بِفَضِّ خِتامِ غُضونِه المَطوية.

المقطع الأول: صدمة "النور القاهر" وغسق الميناء
 بغتة الإشراق:
 الحب هنا هو "النور القاهر" الذي يفجأ النفس الناطقة (القلب) وهي في مقام "الغربة الغربية" (الميناء المادي). وثوب القلب كالحصان هو حركة الجوهر التوّاق للانعتاق من كثافة البدن.
 
تعليق الزمان:
 توقف إيقاع الكون هو لحظة "الخلسة الملكوتية"؛ حيث ينخلع الشاعر من "الزمان الكوكبي" ليدخل في "الآن الأبدي" أمام دهشة التجلي.
 
الهبوط النفسي:
 انثناء الغصن والهوي في "آبار الصهيل" يمثل السقوط مجدداً في حُجب المادة (الآبار) بعد ومضة الكشف.
 شقاء العبارة:
 "شقاء الكلام" هو اعتراف بعجز الحروف (وهي وسائط مادية غاسقة) عن حبس "البرق الإشراقي" المنفلت.

المقطع الثاني: بناء "عالم المثال" وأريج الملكوت
 
نقل المركز النوري: "أودعتك سري" هو حلول "اللطيفة النورية" للشاعر في مرآة المحبوب. الوداع هنا هو اتخاذ المحبوب "مشرقاً" بديلاً.
 تجسيد الخيال الفعّال:
 الشاعر يبني (جسور الأريج وطيور الرمال) في "إقليم الثامن" (عالم المثال)؛ حيث تكتسب المعاني الرقيقة أجساداً نورانية، وتتحول المادة الثقيلة (الرمال) إلى طيور بفضل "النور المُدبّر".
 شجرة النور:
 الزيتون والتين هما "شجرة النور" التي لا شرقية ولا غربية، والليل هنا هو "الظلمة النورية" التي تلمع فيها حقائق الجمال بعيداً عن ضجيج النهار الحسي.

المقطع الثالث: قهر "اليد البيضاء" وحصن الجسد
 آية النور:
 خروج اليد بيضاء من جيب الدجى هو تغلُّب "الأنوار المجرّدة"على "الغسق الأكبر" (عالم المادة).
 الرهبة النورانية:
 استجارة الشاعر بالنجم والحيتان والمغارات هي محاولة النفس المذعورة للاحتماء بـ "كثافة الأجسام الغاسقة"من سطوة "النور القاهر" المنبعث من عيني المحبوب، لأن مواجهة النور المحض تعني فناء الهيكل.
 التشرنق:
 هو حالة "الحلول النوراني"؛ حيث تنعزل الروح في خلوة "الجنب" لتتهيأ للطيران الأكبر بداخل شرنقة من الضياء.

المقطع الرابع: مِعراج الريح وتسليم "المرايا"
 قطب النور:
 تسليم "دراويش التكايا" ومفاتيح الحكايا للمحبوبة هو إعلان بأنها صارت "مشرق الأنوار" وقطب الدائرة الذي تنجذب إليه الأرواح السالكة.
 تموُّج الفيض: "تجاعيد المرايا" ترمز لتموج النور فوق قوابل المادة. الشاعر يترك "عالم الظلال" ليسلم المحبوبة مراياه الخاصة لتكتمل فيها استدارتها النورية.
 العروج :
 ركوب "مهرة الريح" هو حركة الروح الطليقة التي تطوي "نخيل الأرض" (الثبات المادي) في رحلة العودة إلى المنبع. واللقاء هنا هو "إشراق الذات في الذات" بعد محو المسافات.

المقطع الخامس: فناء الأوراق والغرق في "بحر الدوار"
 عالم البرزخ: "منتصف السلم" هو المنطقة الوسطى بين عالم الأجسام وعالم الأنوار. هنا يحدث "التشظي"؛ وهو تفتت "الأنا" المحدودة لتتحول إلى ذرات نورانية سابحة في الفضاء الكلي.
 تجريد النور:
 تمزيق "أوراق السفر" وإلقاؤها للحوت (رمز الهيولى/المادة) هو رد الودائع المادية للأرض، ليبقى "النور المجرّد"خفيفاً في معراجه.
 الصوت اللدني: مجيء الصوت هو "نداء المبدأ"؛ هو نغمة الأفلاك التي لا يسمعها إلا من صفا جوهره من كدر الحروف.
 الحيرة القدسية: الختام بـ "بحر الدوار" هو مقام "الهُيام النوراني"؛ حيث تفقد الروح جهاتها الست لتدور حول "المركز" في رقصة الوجد الأبدي، غارقة في بحر الأنوار الذي لا يتناهى.

آخرالرحلة:
إنها رحلة "الخلاص من الغربة الغربية"؛ تبدأ بصدمة النور في الميناء، وتمر ببناء عالم المثال، ثم الصراع مع القهر النوري، حتى تنتهي بتمزيق أوراق الهوية المادية والذوبان في "بحر الدوار".
لقد تمَّت الرؤية.. وانطوت تجاعيد الأفق تحت أقدام النور

تـجــاعــــــيـد الأُفُــــــــــق

شعر/عبد الستار سليم 

(١)

يَـثِبُ القلب بصدرى

كحصان ْ ..

عِـندما  يفجؤنى الحبُّ على

الميناء

فى وقت السفر

و يَـكُـفُّ الكونُ عن إيقاعِه

بِـضـْـع ثـوان ْ ..

و تَـلُـــفُّ الدهـشـةُ الحَـيـْـرَى

رحـاب المُـنـْـتَهَى  ..

و قطارات  الأمـانى

تَـتـخَلَّى عن

مواعيد الرحيل ..

ينـْـثـنى الـغُـصنُ  فأهوِى

فوق آبار الـصّـهيل ..

وعـصافـير النّـدَى  المنـثورِ

تبكى

حينما يضطجع الفجر على

سور البساتين  التى كَـفّت

عن الإثـْــمار

عاما بعد عام

" آهِ ما أشقَى الكلام "

(٢)

حين ودّعتُكِ

أودَعتُكِ سِـرّى

قلتُ عنه كل ما يمكن عنه

أن يُـقــال

و مضيـْـــت

ومضى قلبىَ يبنى

فوق خـدّيـْـــكِ  جسورًا

من أريج البرتقال

و طيورًا من  رمال الـبــرِّ

و الـبـحرِ

وغاباتٍ من الزيتـــون

والتين الشَّهِىّ الثـغر

فى ليـْـــل العناق

" آهِ  ما أقـسَى الفراق…!"

(٣)

خرجت ْ  بيضاءَ  من جيـْــبِ

دُجَى الليل

يداك

جاءنى صوت نداك

فاستعرتُ النجمَ والغيـْـــمَ

و حيتان المحيطات

وحيطان المغارات

القديمة

عَـلّها تصرفُ عنّى  نظرةً

كانت لعـيـْـنـيـْـكِ  بقلبى

و تَـمادت  فى الحنايا

فتَشَـرنَقْـــتِ  بجنــْـــبِى

" آهِ  ما أقساهُ قلبى "

(٤)

حين ودّعتُكِ

سلّمـتُكِ - فى الليل -

دراويــش التكايا

ومفاتيح الحكايا

ومقاليد التُّـخُـوم

و تجاعيد الـمَـرايا .. وفـداديـن

النُّـجـوم

و ركـبـْـــنا مُـهْـرَةَ الـريـح التى

تـعـدو

بغابات النخيل

كان خَـدّاكِ

و أطفالُ قُـرانَا

و  حـمَـاماتُ الموانى

لِـرحيلى أصدقاء

" آهِ ما أحلَى اللقاء "

(٥)

وعلى منتــصـــفِ الـسُّـلَّـمِ

ألقيـْــتُ لِـحُــوتِ الـبَحـر

أوراقَ الـسّـفَـر

إذ تـمَـزّقتُ

فما بين

نِـداءات الصـوارِى

والتـشـظّى و اصطبارى

كان نِـصفُ الـبَــــدْرِ يـحـبُـو

فـوق غـيطان الأُفُـــق

عِـندما

أن ْ  جاءنى  الـصـوتُ

الذى

كان له  جُـلُّ  انتظارى

" آهِ  يا بَـحـرَ  دَوارِى"

مساحة إعلانية