مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة : أوراق شجر... بقلم إيمان العطيفي

2026-06-13 03:19 AM  - 
قصة قصيرة : أوراق شجر... بقلم إيمان العطيفي
إيمان العطيفي

 هي  تكره الخريف , ليس لأنه يسرق اللون من الشجر، بل لأنه يذكرها أن لكل شيء ميعادًا للسقوط، وأن السقوط موجع حتى لو كان قدرًا. فى صباح الثلاثاء الرمادي،  المطر يجلد زجاج سيارتها بعنف، كأنه يعاتبها على ذنب نسيته. هربت من الجامعة بعد محاضرة عن "الأدب وسيكولوجية القهر". كانت تشرح لطلابها كيف تتحول المرأة في الحكايات إلى ضحية، بينما تشعر  أنها تشرح ذاتها. 

لم تكن تبحث عن كتاب يشاركها وحدتها. كانت تبحث عن سقف لا يسألها:  ما بكِ؟ , لافتة خشبية مبللة كتب عليها: "مكتبة ورقة". دفعت الباب. رن جرس نحاسي متعب، كأنه يئن منذ نصف قرن.عبق المكان برائحة الورق العتيق والقهوة التي احترق بعضها. رائحة تشبه الذاكرة حين تختمر. خلف منضدة من خشب الجوز، جلس رجل في الخمسين. شيبه استأذن عند الصدغين قبل أن يستوطن. عيناه عميقتان كرفوفه، تخفيان حكايات أكثر مما تعرضان. كان يقرأ في مجلد أصفر، وحاجباه معقودان كمن يعاتب السطور.لم يرفع رأسه. قال وهو يضع إصبعه بين الصفحات: "الورق الذي يهرب من المطر... غالبًا مبلول أصلًا".

توقفت رؤى تلك جملتها. كتبتها في الثامنة عشرة على هامش دفترها، الليلة التي قررت فيها أن الضحية يجب أن تموت. 

: ومن أدراك أني مبلولة؟ 

هنا نظر إليها. لم تكن نظرة فحص، بل نظرة اعتراف. كأن يقول: رأيتك من قبل... في مرآتي.أومأ إلى لوحة فوق رأسه: "بصير" وأردف

: لم أدرِ. أنا فقط أسمع صوت الورق وهو يتمزق من بعيد. خمسة وعشرون عامًا مع الكتب المبلولة تكسبك هذه الأذن.ابتسم نصف ابتسامة لم تبلغ عينيه. "القهوة على النار. محروقة قليلًا، كأصحابها. تشربين؟  

جلست على كرسي الخيزران. كان باردًا، لكنه لم يكن قيدًا. 

ناولها فنجانًا أزرق مشروخ الحافة '

: عذرًا للشرخ. كل شيء هنا له قصة. حتى الفناجين . 

كانت القهوة مرة، محروقة، ودافئة. دفء صادق لا يدعي العناق.

: تبحثين عن كتاب يا دكتورة؟

 :كيف عرفت؟ 

 : من طريقة إمساكك بالفنجان. من اعتاد الشرح، يمسك الأشياء كأنها طباشير.  

صمتت. لقد قرأها قبل أن تقرأه. 

: أبحث عن كتاب اسمه" كيف لا تسقط في الخريف". قالتها بسخرية مجروحة. 

ضحك ضحكة خشنة قصيرة. 

:لو وُجد هذا الكتاب، لأفلست مكتبتي. الكل يبحث عنه.  

ساد صمت مشترك، كصمت اثنين يحترمان غضب البحر. 

: أنا أيضًا أكره الخريف. قالها وهو يحدق في المطر. 

:زوجتي... رحمها الله... ماتت في خريف. قال الطبيب سكتة دماغية.  سقطت كورقة. حان أوانها.لم تقل "البقية في حياتك". بدت العبارة بخسة. 

قالت: أنا طلقت الخريف منذ عشرين سنة. لكنه يطاردني في كل شارع فيه شجر. 

فتح درجًا وأخرج ورقة جميز صفراء مجففة بين لوحين شفافين،  واردف بدمعة فشل فى اخفاءها .

: هذه آخر ورقة سقطت من شجرة بيتنا. يوم ماتت. كل خريف أتذكر: هي لم تسقط. تحررت. الشجرة هي التي لم تعد قادرة على حملها . 

لمست رؤى الورقة. كانت هشة، ميتة، وجميلة. 

: أتحسبين الورق المتساقط... يتألم؟!!

ابتسمت ابتسامة حذرة، كورقة خضراء أطلت في غير موسمها.

:لا أدري. لكنني أدري أن المعلق رغمًا عنه... يتألم أكثر.

رن الجرس. دخل شاب يطلب رواية غرامية،  قال بصير وهو ينهض: الغراميات في الرف الثالث. لكن الحقيقي منها... دائمًا خريفه يأتي باكرً . 

عندما عاد، كانت تضع ثمن القهوة محاولة مغادرة المكتبة.

:انتظري. ناولها كتابًا وعيناه تسبحان فى عينيها بحثا عن مرسى .

:هدية من المكتبة. لأجل المطر. 

العنوان: "البحر ليس للغرقى". تجمدت. جملتها السرية التي لم تبُح بها لأحد. 

: أنت...؟! 

:انا بائع كتب فقط. والكتب أحيانًا تختار أصحابها.  

خرجت إلى المطر دون مظلة. كانت مبلولة أصلًا، لكنها للمرة الأولى، لم تخف من البلل.مرت أسابيع. صارت المكتبة محطتها. قهوة محروقة، وصمت مريح، وجمل تتساقط بينهما كأوراق لا يملكها الخريف.حدثته عن حياتها، عن الحجاب الأسود الذي خلعته بعد عشرين عامًا. عن البترينة التى سجنت بداخلها ،  كيف حطمتها بكفها، فسال الدم ولم تبالِ.أنصت. لم يواسِ. لم يحكم. فقط قال حين انتهت: "الشرخ الذي في الفنجان... هو ما يجعله يشرب الضوء. حدثها ه عن زوجته "سَكينة". عن صمتها بعد موت ابنتهما. عن كيف صارت البيت كله، ثم صارت القبر كله.

قالت له: كنتما ورقتين على غصن واحد .؟!! 

:  كنا. حتى هبت الريح. أنا سقطت على الرصيف. وهي... طارت إلى السماء .

في خريف آخر، جاءت الاختبارات.

عاد طليقها. يريد "أنصبة". يريد أن يذكرها أنها كانت ملكية خاصة ،ثم فجرت وخرجت عن المعتقد. يلوح بالمحاكم، بالأولاد، بالفضيحة. 

انهارت في المكتبة. لأول مرة بكت أمامه. لم تكن دموعًا، كانت خريفًا كاملًا يهطل من عينيها ،لم يقل : لا تبكي 

جلس قربها. تناول كفها المرتجفة، ووضع فيها ورقة الجميز المجففة. 

: امسكي. هذه الورقة لا تبكي، لأنها تعرف أنها أكملت دورها. 

شهقت: وأنا؟ ما دوري؟ أن أسقط؟ 

شد على يدها. يده خشنة كغلاف كتاب قديم، ودافئة كقهوته. 

:دورك أن تختاري أين تسقطين. على الرصيف... أم في كف رجل يعرف قيمة الورق حتى وهو يابس .

صمتت. ثم قالت ما لم تقله ابدا

:تعبانة يا بصير .

ردد اسمه كأنه دعاء. كأنه "حسبي الله" . 

 همس :كلنا تعبانون يا رؤى. الفرق أن بعضنا يتعب واقفًا يتحد مخاوفه، وبعضنا يتعب وهو ساجد للخوف.

في ذلك اليوم، لم تشرب القهوة. شربت القرار. 

واجهت طليقها. لم تصرخ. لم تنكسر. قالت بهدوء: زوجتك ماتت. ادفنها وحدك. أنا رؤى جديدة... أنا لا أُدفن.

مر الشتاء ثقيلًا. جاء الربيع خجولًا. 

وجدت على باب شقتها شتلة صغيرة في أصيص فخار. وبطاقة بخط يده . 

"ليست كل الأوراق تسقط. بعضها يولد من جديد. اسمها 'رؤى '. مثل صاحبتها... تحتاج شمسًا، وقليلًا من الصبر".

بكت. لكنه كان بكاء غيمة تفرغ حمولتها لترى الشمس. 

بعد عام.عاد الخريف . لكن رؤى لم تهرب منه. دخلت "مكتبة ورقة". الجرس النحاسي رن. رنته هذه المرة كانت تشبه الزغاريد. 

 بصير يعلق زينة من ورق الشجر المجفف. أصفر وأحمر وبني. 

أبهرها المنظر ، سألت :ماذا تفعل؟

استدار. الشيب استوطن رأسه كله الآن، لكن عينيه صارتا أكثر شبابًا. 

قال : أحتفل  .

: بماذا؟ 

: بالخريف. أما قلت لكِ؟ مافيش ورقة بتقع قبل ميعادها. ومافيش ورقة بتقع... إلا لتعطي مكانًا لورقة جديدة 

اقتربت. على المنضدة، نسخة جديدة من "البحر ليس للغرقى". بجانبها، مخطوطة بعنوان: "أوراق الشجر". اسم المؤلفة : إيمان العطيفي. 

: كتبتِها؟ سأل بدهشة فرحة. 

: كتبتها . صححت له. أنت كنت الحبر. وأنا كنت الورق .وهي اجادت صياغتنا فى حكاية. 

ساد صمت. لكنه لم يكن صمت الخريف. كان صمت الأرض بعد أن تشرب المطر وتهيئ نفسها للحياة. 

مد يده. لم تكن فيها ورقة جميز هذه المرة.  فيها ورقة خضراء صغيرة، طرية، تلمع بقطرة ندى. 

:هذه  شتلتك. أول ورقة. طلعت في عز الخريف. عاندت الفصل كله.

أخذتها ، قلبتها. كانت تشبه القلب. 

رفعت عينيها إليه. قالت جملتها السرية الجديدة، التي كتبتها فجر اليوم  :الحياة هتمر... بخيرها وشرها... وحبها وكرها... والبني آدم هو هو من البداية للنهاية. كلنا أوراق شجر... بس الشاطر هو اللي يختار على أي أرض يقع... أو... في أي كف يستقر". مد كف. كبيرًا، خشنًا، دافئًا، وآمنًا.وضعت الورقة الخضراء فيه. ثم وضعت كفها فوقها. 

قالت: أنا اخترت. 

أطبق بصير كفه على كفها، والورقة بينهما. 

لم يسقطا.  لأنهما في ذلك الخريف، قررا  أن يخضرا معا.

مساحة إعلانية