مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

قصة قصيرة: همس هابو ...بقلم إيمان العطيفبي

2026-07-06 01:53 AM  - 
قصة قصيرة: همس هابو ...بقلم  إيمان العطيفبي
إيمان العطيفي

- عارفة امتى حبيتك ؟!!!

- امتى؟!

- يوم ماوقفتى فى المعبد تشرحي للسياح اللى مكتوب على الجدران وانت باصة للمرشد بثقة وابتسامة خجولة.

- كان بيشرح غلط ،ومكنتش عايزة احرجه.

- وقفتِ قدام المسلة بثقة ،والشمس بتبرق على شعرك ،ثبات مش عادى ،ورقة وشموخ مش عادى ،وثقافة وحنية ،كأنك حتشبسوت.

ضحكت وطأطأت رأسها فى انحناءة له ،وكأنها تعلن أنها مهما علت قامتها ،فهو الملك ،لا شريك له في قلبها ، توءم الروح ،ونبض الحياة .

عادت إلى البر الغربي بعد عشر سنين. 

لم تعد هي الفتاة التي دخلت معبد" هابو" أول مرة ترتجف من رهبة المجهول. عشر سنوات كافية ليتغير وجه الإنسان، وتشتد صلابته، ويتعلم أن الحجارة لا تسكت  ولا تنسى حديثها إن أصغى لها.

الطريق الترابي نفسه، والشمس نفسها تذيب الأفق فوق النخيل. لكن قلبها اختلف. كل خطوة تقترب بها من المعبد المتهدم كانت تستخرج ذكرى من صدرها، كأنها تنفض الغبار عن صندوق عتيق.

توقفت امام البوابة لحظات كأنها تبحث عن شخص بعينه ،هيء لها خيالها انها ستجده واقف في نفس المكان الذى تركته فيه.

تبسمت للاشىء ،أو ربما لخيال لم يفارقها هو كل شيء.

التماثيل البازلت عند المدخل كفم رجل عجوز كانت تراقبها , الممر طويل كذكرياتها  ، أقسمت أنها سمعت همساً خفيضاً "عدتِ يا ابنة الصعيد ؟!"

 ابتسمت, لم يعد الخوف من المجهول يربكها. صار فضولاً، صار حنيناً ,اصبح المعبد  مهدما ، أعمدته مكسرة كأسنان شيخ وقور. لكن السقف الذي انهار ترك السماء مفتوحة كقبة زرقاء تحفظ السر. 

تذكرت كيف كانت تحتمي بظل الجدار وتعد السحب. الآن مدت يدها تلمس نقشاً لزهرة اللوتس. البرد يسري من الحجر إلى عظامها. الحجر لا ينسى من لمسه مرة.

الممر طويل ضيق ،وكل ما به يهمس لها ، جدرانه محفورة بنقوش دقيقة لآلهة تحمل مفاتيح الحياة ، قلبها يخفق. ليس خوفاً، بل اجلالا و احتراما لقدسية المكان . 

سمعت صوتاً خلفها: 

-هذه النقوش ترمز إلى فيضان النيل المدمر!.

التفتت وجدت مرشدا شابا، صوته متحمس، يشير بعصا إلى الجدار أمام مجموعة سياح أجانب. كان يخطئ. يخلط بين نقوش "هابو" إله النيل، وبين أساطير أخرى لا علاقة لها بالمكان.ضحكت سارة في سرها. ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها. تقدمت خطوة وقالت بنبرة ودودة لا تجرح: 

-عفواً يا أستاذ..."هابو" عند المصري القديم لم يكن إله الفيضان المدمر، بل كان أبو الخيرات. انظر هنا، هذا الوعاء الذي يحمله ليس ليغرق الأرض، بل ليسقيها.

الصعيدية حتى اليوم حين تلد، أول ما يُسقى لها: ماء بالعسل. نفس الفكرة... الحياة لا تأتي بالدمار، تأتي بالسقيا.

 

المرشد ارتبك لحظة، ثم ابتسم بامتنان وقال: شكراً لكِ آنستي،أومأت  ومضت. لم ترد أن تُحرجه. تعلمت أن تصحيح الخطأ يكون برفق، كما تُسقى النبتة العطشى... لا كما تقتلع الحشائش.

شدتها قدماها  اجباريا  إلى قدس الأقداس زحف إلى قلبها ،قبل زحف قدميه إليه ،على اليمين ممر غامض ،يخشى الناس الوقوف عليه ،الممر ترابي رفيع وكأنه يكره التجمع ،يؤدى آخره الى بئر تحوطها الظلمة ،تسمى بئر يوسف ،الحارس والزوار وعمال النظافة ،الكل بلا استثناء يرفضون اقتراب احد منه خشية فقده ،لكنها الرغبة المتوحشة فى شق بطن غياهب الجب ،أصرت على النزول الى قاع بئر مظلمة تماما بعد مسافة ثلاثة امتار تحت الأرض من أصل احدى عشر مترا تختفى الشمس تماما،حاول منعها ،تمسكت برغبتها ،تركها تنزل وحيدة على امل ان يكسر عنفوانها الخوف ورهبة المكان ،لكنها تابعت فقط طلبت منه ألا يكف عن الحديث ،صوته يطمئنها يحطم جدران مخاوفها ،درجات السلم مصنوعة من خشب تاكل بفعل  الزمن ورشح الماء المالح  ،زلت قدمها على عتبة مهترئة عند المتر الخامس تحت الأرض ،صرخت حتى ارعب صدى صوتها الجمع المراقب للمغامرة عند السطح ،بينما شقت صرختها جدران صدره، فنزل مهرولا اليها دون تفكير فيما سيؤل اليه الأمر ،لحقها تمسكت بكفه تبسما رغم الظلام ، توحدا حتى وصلا القاع ،مدت يدها تتلمس المياه ،حذرها ،ربما المياه تسممت بفعل ركودها زمنا طويلا ، دمعت عيناها لسبب لا يعلمه وقالت : انما وصلت إلى هنا فقط لأتوضأ.

خرجا من البئر كفه بكفها ،ليستقبلهما عدد غفير من الزوار الذين تجمعوا على حافة البئر فى انتظار عودتهما من القاع بتصفيق حار.

لم تنته الرحلة بعد ،فالوجهة الرئيسية كانت  لغرفة تخشاها ،ترتعب كلما تذكرت احداثها،ولكن ابنتها خبرتها يوما بتفاصيل المعادلة الصعبة:

- اذا كنت تخشين الموت ،عيشي الحياة .وإذا كنت تؤمنين بقدراتك ،واجهي مخاوفك.

فى الطريق مرت على البحيرة المقدسة ،قال مرشد انها خصصت لاستحمام كليوباترا

نظرت اليه بضحكة ساخرة ولم تعقب ،وقال اخر انها بحيرة قارون مما زاد ضحكتها سخرية ولكنها أثرت أن تكمل الرحلة بغير عطلة ليس لها اهمية قصوى.

بدا هسيس  الليل يصب أصواته المخيفة ، انقبض قلبها . الغرفة النائية، شبه معزولة، مظلمة. الناس لا تقترب منها. يقولون إنها مسكونة بذكرى نساء كثر.

وقفت  على العتبة. الهواء بارد يخرج من الداخل كأن الغرفة تتنفس.

تذكرت الحارس العجوز. عيناه الخضراوان وسط بشرة سمراء كأرض النوبة. كان يقف ويهز رأسه رافضا دخولها، الحارس ينظر إليها كانه يعرفها ،كإنه رآتها على الجدران والأعمدة.

-اياكِ يا بنيتي. هذه غرفة الولادة. من يدخلها وحده يخرج بقلب غير الذي دخل به. فيها طقوس لا يفهمها إلا من ولدت وتعبت، وماتت من اجل حياة اخرى.. وقتها ضحكت بخفة الشباب وردت: انا لا أخاف يا عم ،المكتوب ع الجبين لازم تشوفه العين. 

نظر إليها العجوز نظرة طويلة وقال: ستخافين و ستدخلين فقط تذكري انك صاحبة الاختيار.

ثم رافقها صامتاً حتى خرجت، ولم يتكلم. فقط وضع يده على الباب الحجري من الخارج كأنه يحميها من شيء لا يُرى.

اليوم لا حارس  ،ولا اختيارات صعبة .

الباب مفتوح على ظلامه. لا عيون خضراء تراقبها . 

ارتجفت. الخوف القديم عاد يزحف على ظهرها. لكن الحماس كان أقوى. الحماس لمعرفة: هل تغيرت الغرفة؟ هل تغيرت هي، هل لايزال يأتيها زائرا؟

جمعت شتات روحها وتقدمت ، 

خطت داخل الظلمة. الرائحة لم تتغير: رائحة تراب مبلل، رائحة دخان قديم، ورائحة بلح وسمن , "فورة" البلح والسمن. نفس ما تقدمه النساء الصعيديات للنفساء حتى اليوم.   نظرت إلى الجدار, النقوش كما هي, امرأة مستلقية على سرير الولادة، والقابلة تسقيها من إناء فخاري تحت السرير ,أوانٍ فخارية صغيرة، مطمورة في التراب، مطابقة تماماً للـ "زير" و "القلة" و"برام السمن" التي كانت جدتها تستخدمهم .

جلست سارة على الأرض الباردة, وضعت يدها على الحجر ,وفجأة , سمعت صوتا ، التفت فزعة مفيش صريخ ابن يومين فى المكان ، تنهدت بعد خوف ،تذكرت همس الحجارة نفسها , همس آلاف النساء اللاتي ولدن هنا عبر آلاف السنين. همس يمزج الألم بالفرح، والصرخة بالدعاء: "يا ساتر، يا رب".

بكت ليس خوفاً هذه المرة , بكت لأنها فهمت أخيراً لماذا كان الحارس العجوز يحذرها. 

الغرفة لا تخيف. الغرفة تُعرّي. تُخرج منكِ كل ضعفك، وتعيدكِ إلى أصلك: ابنة، زوجة، أم محتملة، وامرأة من صعيد مصر... جذورها في الطين، وروحها في السماء

,مسحت دموعها, وقفت, خرجت من الغرفة بخطوات ثابتة. 

مالت  الشمس للغروب، تلونت الأعمدة المكسرة بلون العسل.

عند الباب الخارجي التفتت للمعبد كله وهمست:   "شكراً يا "هابو". شكراً يا حجارة, لم تحموني بحارس هذه المرة, لكنكم علمتموني كيف أحمي نفسي بنفسي, ثم مضت, وكل خطوة تبتعد بها عن المعبد كانت تسمع خلفها همساً راضياً من الحجارة: 

عدتِ يا ابنة الصعيد..

مساحة إعلانية