مساحة إعلانية

منبر

المبدعون

كريستال .. قصة علا عبد المنعم

2026-08-25 11:59 AM  - 
كريستال .. قصة علا عبد المنعم
علا عبد المنعم
إعلان بنك saib

كمن يخاف اللقاء بمن يحب بعد طول فراق، فتحت دولاب أنتيكاتها القديمة بحرصٍ شديد مصحوبا بهدوء ليس من شيمها، تناولتني من داخله بحذرٍ فضحته ارتعاشة يدها، ونشيج مكتوم صاحبه تساقط دُرُّ عينيها، كأس قديم من الكريستال لا شقيق لي، سنواتٌ طويلةٌ مرت وأنا حبيس هذا الدولاب العتيق، أرى المحيطين يتحركون من خلف جدار زجاجي صلب، يمنع عني الهواء والأتربة، لكني أبدا لم أسمع لهم صوتا يكسر صمت المكان، خطواتهم الصاخبة، أنفاسهم المتواترة كثيرا ما كانت تشعرني بالأنس و السعادة، تمنيت يوما لو صرخت فيهم مطالبا إياهم بالحديث، أو حتى بالشجار المصحوب بكلمات السُباب المتبادلة بين البشر ،الذين يتناهى صوتهم إلى مسامعي من الخارج في أوقات فتح الدولاب قبل أن يغلق الخواء من جديد، اختلف الأمر في هذه المرة، لم تنظف صاحبتي البيت كله قبل أن تصل لدولابي، فلم اسمع ارتطامات منفضة السجاجيد أو أزيز المكنسة الكهربائية، وكذلك لم تصل للزجاج الذي يحفظني زخات المنظف السائل المنطلق مضغوطا من عبوته، المسكينة تنتحب بصوت عالٍ وقد اتشحت بالسواد، تحسستني بحزن بالغ ممزوج بجزع مؤلم، أخرجت من داخلي تلك الورقة المطوية التي كثيرا ما أخرجتها وقرأتها ثم أعادتها، تلمست تعرجات وانحناءات سطحي الخارجي، اقتربت بأنفها مني، تشممتني وكأنها تستنشقني حتى ظننت أنها ستبتلعني داخل أنفها، حَرَّكَت شفتيها بكلمة لا صوت لها لكني أجزم أنها قالت حبيبي، ارتججت من داخلي حتى تمنيت لو احتضنتها في تلك اللحظة، دقائق مرت قبل أن تتمالك نفسها وتتماسك من جديد، تشممتني مرة أخرى قبل أن تهم بإعادتي إلى محبسي، أرغب في الصراخ رافضا ذلك السجن الأبدي الذي أودعوني فيه رُغما عني، لكني فجأة انزلقت من يدها لأتهاوى على الأرض مُحَطَّما إلى آلاف البلورات المتناهية الدقة والصغر تناثرت على مساحة كبيرة، انطلقت صرختها تشق صمت المكان، حتى أنني في تلك الحالة المتشظية نسيت ماهية الصمت القديم، لتحيطني أناتها الخالية من الكلمات من كل جانب، غير آبهه لألم اختراق البلورات لقدميها سارت وقد انبثق الدم منها حتى استحال الرخام الأبيض أحمرَ في محاولة يائسة للملمة أشلائي المبعثرة، تضغط على ما نجحت في جمعه وكأنها تود لو توحد معها وسار في أوردتها فتقطر من يديها دموع حمراء ساخنة، تجمع سكان البيت في محاولة لتهدئة روعها، بحديث لعبت فيه الأصابع والشفاه لغة البطولة لكن كل محاولاتهم كُللت بالفشل، لم تستطع أن تنقذ مني سوى ساقٍ محطمة، حملت المتبقي مني بكل لوعة وأسى وقد تلوثت بالدماء ووضعتني مرة أخرى بالدولاب مصحوبا بالخطاب المخضب بالدم وأغلقته بحرص شديد وكأنها تخشى إزعاج ميت في مقبرته، نظرت لي عبر الزجاج بعين باكية بينما يديها المدممة تمسح دموعها المالحة بلا اكتراث.

مساحة إعلانية