مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

كوريا الجنوبية..والتوازن في العلاقات مع الجيران بقلم: أحمد عبده طرابيك

2026-01-25 09:52 AM  - 
كوريا الجنوبية..والتوازن في العلاقات مع الجيران بقلم: أحمد عبده طرابيك
أحمد عبده طرابيك
منبر

 جاءت القمة الصينية الكورية الجنوبية، بين الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ والرئيس الصيني شي جين بينغ، في أول يوم من العام الجديد، في مسعى من الطرفين لفتح صفحة جديدة متطورة في العلاقات بين البلدين. فقد حظي الرئيس الكوري باهتمام كبير في الصين، حيث استقبله الرئيس الصيني في المتحف الوطني بمدينة جيونغجو بمقاطعة جيونغ سانغ بوك- دو. أملًا في تبديل شبه القطيعة القائمة بين البلدين منذ أن سمحت سيول للولايات المتحدة بنشر نظام دفاع ‌صاروخي أمريكي عام 2017، الأمر الذي اعتبرته بكين تهديدًا مباشرًا لها. 
     ركزت المحادثات بين الرئيسين الصيني والكوري الجنوبي على تحديد اتجاهات تطوير العلاقات بين البلدين، واستعادة الثقة المفقودة بينهما بسبب التوجهات المتضاربة لهما، فكوريا الجنوبية حليف مقرب للولايات المتحدة، المنافس الأكبر للصين، بينما بكين ثاني أكبر اقتصاد في العالم حليف استراتيجي لكوريا الشمالية العدو الأول لسيول. 
     يسعى الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ من زيارته للصين إلى تحقيق هدفين، الأول توسط بكين لدى الجارة الشمالية لتخفيف حدة التوتر، من خلال عقد لقاء بين زعيمي شبه الجزيرة الكورية، والعودة بالعلاقات بين البلدين على الأقل إلى فترة الهدوء النسبي بين البلدين، وعودة اللقاءات للأسر الكورية المنقسمة بين شطري شبه الجزيرة في المنطقة منزوعة السلاح على الحدود بين البلدين، ثم البدء في محادثات سلام لإنهاء حالة الحرب مع بيونج يانج. ويدرك الرئيس لي جان ميونغ أن لبكين تأثير كبير على بيونج يانج، وهي تستطيع القيام بخطوات إيجابية في هذا الشأن. أما الهدف الثاني، فيتمثل في فتح آفاق أوسع للعلاقات الاقتصادية بين بكين وسيول، بما تمثله الصين من ثقل اقتصادي عالمي كبير، خاصة في ظل وجود تصريحات بين الحين والآخر من قبل الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية على صادرات الدول إلى الولايات المتحدة بما فيها الحلفاء والأصدقاء التقليديين لها. 
      كما تدرك كوريا الجنوبية، كما يدرك جميع الحلفاء للويات المتحدة، أن العلاقات مع واشنطن في وجود الرئيس دونالد ترامب أصبحت أكثر تكلفة ولا يمكن التوقع بما ستكون عليه تلك العلاقات ولا تكلفتها. خاصة بعدما حدث من اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتصريح الرئيس ترامب برغبته في استيلاء واشنطن على جرينلاند التابعة للدانمارك العضو في الناتو. 
      أما الصين فترى في تقارب كوريا الجنوبية معها يُعد اكتساب نقاط جديدة في صراعها الهادئ مع واشنطن في الزعامة العالمية، على اعتبار أن سيول لطالما شكلت حليفًا تقليديًا للولايات المتحدة، إلى جانب وجود قواعد أمريكية في كوريا الجنوبية تعتبرها الصين تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. وعلى الرغم من إدراك بكين أن التقارب مع سيول لن يصل إلى درجة التحالف القائم بينها وبين واشنطن. ولكن تدرك بكين جيدًا أن أي تقارب مع دول المنطقة، وخاصة حلفاء واشنطن التقليديين "كوريا الجنوبية، اليابان" يعد ذا أهمية كبيرة لها. 
      عبر الرئيسان الصيني والكوري الجنوبي، على أهمية التعاون بين البلدين، حيث قال الرئيس شي، إن الصين مستعدة لتعزيز التواصل مع كوريا الجنوبية، ومواجهة التحديات معًا، من اجل التنمية المستقرة وطويلة الأمد للتعاون والشراكة الاستراتيجية، وضخ مزيدًا من الطاقة الإيجابية من أجل السلام والتنمية في المنطقة. بينما قال الرئيس لي، إن استعادة العلاقات الكورية الصينية بشكل كامل، والسير معًا مجددًا في طريق المنفعة المتبادلة والبراجماتية كشريكين استراتيجيين، أمر ذو مغزى كبير. وقد تم الاتفاق على توقيع اتفاقية لتبادل السلع بالعملات المحلية لتعزيز استقرار الأسواق المالية والتجارة، وتسريع مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة في مجالي الخدمات والاستثمار، وترسيخ أسس التعاون الاقتصادي. 
     لا تقل الزيارةا لتي قام بها الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ إلى اليابان أهمية عن زيارته للصين. فعلى الرغم من أن اليابان ترتبط بشكل عام تاريخيًا بشبه الجزيرة الكورية، ومع كوريا الجنوبية بشكل خاص، بعلاقات ثقافية ودينية وسياسية قديمة. لكن هذه العلاقات يشوبها العديد من القضايا العالقة بين البلدين، سواء ما يتعلق بالفترة الاستعمارية القاسية اليابانية لكوريا خلال الفترة من عام 1910 حتى عام 1945، حيث تتجدد آلام هذه الفترة الاستعمارية بين الحين والآخر بسبب زيارات بعض رؤساء الوزراء اليابانيين لضريح "ياسوكوني" الذي يمجد قتلى الجيش الياباني خلال فترة الاستعمار لكوريا الجنوبية. وكذلك استمرار رفض اليابان الاعتذار ودفع تعويضات عن سوء معاملة "نساء المتعة" الكوريات خلال الحرب العالمية الثانية. بالإضافة إلى رفض التفاوض حول جزر دوكدو "تاكيشيما" التي تسيطر عليها اليابان وتعتبرها سيول جزر كورية تابعة لها. 
    لكن في عالم السياسة الذي لا يعترف سوى بالمصالح، فإن سيول وطوكيو يبحثان عن مصالحهما خاصة في ظل وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي لا يمكن التنبؤ بقراراته التي لا تفرق بين الأصدقاء والأعداء. فما حدث في فنزويلا وخطف الرئيس نيكولاس مادورو، وبعد ذلك التصريح برغبته في الاستيلاء على جرينلاند التابعة للدانمارك العضو في "الناتو"، أمور تثير الكثير من القلق لدى الحلفاء قبل الأعداء. 
       أظهرت رئيسة الوزراء الياباني تاكايتشي اهتمامًا كبيرًا بزيارة الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج، إذ أشرفت بنفسها على الاستعدادات لاستقبال الرئيس ميونج في مسقط رأسها في مدينة نارا. وكتبت على منصة إكس "آمل في أن نواصل دفع العلاقات بين اليابان وكوريا الجنوبية بطريقة مستقبلية، ونحن نلتقي في العاصمة القديمة نارا التي يزيد عمرها على 1300 عام، وتتمتع بتبادل ثقافي طويل بين اليابان وشبه الجزيرة الكورية". كما اصطحبت تاكايتشي الرئيس الكوري لي في جولة إلى معبد هورييو، الذي يضم مباني تعود إلى أواخر القرن السابع وأوئل القرن الثامن الميلادي. وتعد هذه المباني من أقدم العمارة الخشبية في العالم، وتظهر كيف تبنت اليابان البوذية عبر شبه الجزيرة الكورية. كما التقي لي بالمقيمين الكوريين الجنوبيين في اليابان. 
      تسعى كل من كوريا الجنوبية واليابان إلى تحسين العلاقات التي يشوبها عدم الود. وفي وقت تواجه فيه طوكيو خلافات متجذرة مع الصين. وتريد كل من سيول وطوكيو تطوير العلاقات الاقتصادية وخاصة قطاع التجارة والسياحة والاستثمار. في ظل حالة عدم الثقة في الحليف الأمريكي. 
     جاءت زيارة رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونج إلى كل من الصين واليابان وسط أجواء عالمية يسودها عدم اليقين والاستقرار، ولذلك تهدف زيارته إلى البلدين في المقام الأول إلى تهدئة الأوضاع في المنطقة، خاصة مع علاقات سيول مع بيونج يانج، حيث تمتلك الصين الغريم التقليدي للحليف الأمريكي الكثير من الأوراق في هذا الشأن. كما تسعي كل من سيول وطوكيو إلى تهدئة المخاوف في المنطقة حفاظًا على ما تحقق من انجازات اقتصادية، إذ إن أي توترات تنتج عن أي استفزازات لكوريا الشمالية من شأنها تأجيج الأوضاع بشكل قد لا يمكن التنبؤ به. 
     على الرغم من أهمية زيارة الرئيس الكوري الجنوبي إلى الصين، إلا أنه سيكون أمامه الكثير من التحديات في كيفية إدارة عملية التوازن في العلاقات بين الحليف الأمريكي والصديق الصيني على المديين القصير والمتوسط. 

مساحة إعلانية