مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

محمد دياب يكتب :الإقليم بين عقل الدولة ومنطق الصراع

2026-03-22 05:42 AM  - 
محمد دياب يكتب :الإقليم بين عقل الدولة ومنطق الصراع
محمد دياب

يشهد المشهد الإقليمي تصعيداً لافتاً في حدة الاتهامات المتبادلة بين عدد من الدول الخليجية وطهران علي خلفية أزمة الصواريخ والطائرات المسيّرة. ففي الوقت الذي تؤكد فيه العواصم الخليجية أنها لم تسمح باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لأي عمل عسكري ضد إيران وأنها كانت ولا تزال تفضّل مسار الحوار الدبلوماسي والحلول التفاوضية السلمية بشأن الملف النووي الإيراني تصر طهران علي أن هذا النفي غير دقيق وتعتبر أن بعض تلك الدول قدّمت تسهيلات استُخدمت في استهدافها
هذا السجال المحتدم لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للصراع في المنطقة فالتوتر المتصاعد بين الجانبين يصبّ بشكل أو بآخر في مصلحة أطراف دولية وإقليمية تسعي إلي تكريس حالة الاستقطاب وتعميق الشكوك المتبادلة. وعلي رأس هذه الأطراف الولايات المتحدة وإسرائيل اللتان تدركان أن أي تقارب خليجي إيراني من شأنه أن يعيد رسم موازين القوي ويقلّص مساحة النفوذ الخارجي
إن تعميق هوة الخلاف عبر تبادل الاتهامات يخلق بيئة مثالية لتوسيع دائرة الصراع ويمنح مبررات لاستمرار المواجهة تحت عناوين متعددة من بينها “الحق في الدفاع عن النفس” وفي مثل هذه الأجواء المشحونة تتحول الخلافات السياسية إلي جروح مفتوحة ويصبح من السهل الانتقال مما كان يُدار خلف الأبواب المغلقة إلي تحالفات معلنة ودعم عسكري أو لوجستي أو مالي يجري تبريره علناً أمام الرأي العام
الأخطر من ذلك أن ما يحدث اليوم قد يمثل إنجازاً استراتيجياً لمشروع يقوم علي تفكيك المنطقة ومنع أي اصطفاف إقليمي مستقل فكلما تعمقت الشكوك بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران تآكلت فرص بناء منظومة أمن إقليمي قائمة علي التفاهم المشترك واتسعت المساحة أمام التدخلات الخارجية
تداعيات التطورات الراهنة تمتد زمنياً لتطال عمق العلاقة السياسية والثقة حين تنكسر لا تعود بسهولة مهما تراجعت حدة الخلافات
استمرار هذا المسار يعني انتقال الأزمة من لحظتها الراهنة إلي مرحلة أطول زمناً تتآكل فيها الثقة السياسية تدريجياً فإما أن تنتصر لغة التهدئة وإعادة فتح قنوات الاتصال وإما أن يستمر الانزلاق نحو واقع جديد تتبدل فيه التحالفات وتُعاد صياغة خرائط النفوذ وفي مشهد قد يصعب الرجوع عنه لاحقاً.

مساحة إعلانية