مساحة إعلانية
منذ انطلاق الانتخابات البرلمانية، تتجدد الأصوات المطالِبة بإلغاء الحصانة خارج قاعات المجلس، بحجة أن “النائب يجب أن يكون مثل المواطن العادي”، وأن “السلطة لا تُصلح بالامتيازات”. هذه الأصوات، رغم حسن نيتها أحياناً، تخلط بين أمرين مختلفين: النائب كشخص والنائب كمؤسسة. وبين الاثنين مساحة واسعة من سوء الفهم الذي قد يدفع الدولة إلي إضعاف أهم أدواتها في مواجهة الفساد والسلطوية
الحصانة في جوهرها درع للوظيفة الرقابية نفسها، تمنحها القدرة علي العمل بحرية دون خوف من أي ضغط أو ابتزاز.فالبرلمان يؤدي وظيفته كركن أساسي في الدولة، ويقف في مقدمة الصفوف كخط الدفاع الأول عن المجتمع وإذا كان منطق الدولة يقوم علي مبدأ الفصل بين السلطات، فإن هذا الفصل يظل هشاً ما لم يمتلك كل طرف أدوات تحميه من تغول الآخر
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن للسلطة التشريعية أن تمارس دورها الرقابي والتشريعي بكامل قوتها في غياب الحصانة؟
من السهل أن نرفع شعار “النائب أمام القانون كأي مواطن”، ومن السهل أن نتفاعل مع الغضب الشعبي تجاه تجاوزات فردية قد يرتكبها بعض ممثلي الشعب. لكن الأصعب والأعمق هو أن نميز بين إصلاح السلوك الفردي و هدم البناء المؤسسي. فالمخالفات الفردية تُحسم بالقانون والرقابة الأخلاقية، أما إلغاء الحصانة تحت ضغط العاطفة فهو تحويل البرلمان إلي مؤسسة مهددة بأي بلاغ كيدي أو خصومة سياسية مُغلّفة بشعار “سيادة القانون”
حين تُصان المؤسسات وتُحمى، تتحقق سيادة القانون ويتأكد انتظام أداء الأدوار داخل الدولة. ففي عالم السياسة، الخصومة ليست دائماً نزيهة، والمعارك ليست دائماً مكشوفة. وقد أثبتت تجارب كثيرة محلية ودولية أن النائب الذي يخشي الملاحقة يفقد قدرته علي مواجهة السلطة التنفيذية، ويصبح مجرد رقم صامت لا يجرؤ علي مناقشة ملفات حساسة، ولا يملك رفاهية الاشتباك مع قضايا الفساد أو إهدار المال العام.
ولتطوير الحياة النيابية، يجب التركيز علي معايير اختيار النواب، وتعزيز الرقابة الداخلية، وتمكين الأحزاب من إعداد كوادر سياسية مسؤولة وواعية. فالحصانة ليست المشكلة… المشكلة فيمن لا يستحق أن يحملها
ويبقي السؤال الأهم :
هل نريد برلماناً قوياً يراقب ويحاكم ويكشف؟
أم نريده برلماناً صامتاً… مطيعاً… يخشي أن يتكلم؟
الإجابة ليست للنائب وحده؛ هي للمجتمع كله