مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

محمد رمضان عبد القادر يكتب : رحيل المُمثِّل وخلود الأسطورة

2026-05-15 07:48 PM  - 
محمد رمضان عبد القادر يكتب : رحيل المُمثِّل وخلود الأسطورة
أشرف البولاقي

للإبداع معانٍ كثيرة، لا تركن إلي ضربٍ معينٍ من ضروب الفن والتصوير، لذلك فالأمر الإبداعي لا يجوز أو بالأجدي لا يصح أن يكون مشـروطًا بمجالٍ ما، لأن الإبداع في كنههِ فنٌ ومهارة يكمن معناها في قدرة الإنسان علي خَلْق الفكرة وتصويرها في قالبٍ مبتكَر؛ وأما القدرة الحقيقية للمبدع؛ نراها دائمًا تتجلي في طريقة التعامل مع مضمون الفكرة؛ كيف يصيغها؟ كيف يديرها، وكيف يتبناها؟ حتي تظهر في ثوبٍ شيّقٍ جذاب للمستمع أو المتلقي، لمثل هذه الأسباب، نستطيع أن نجزم يقينًا، بابتعاد صورة الموت بالمعني الروحي عن كل مبدعٍ حقيقي، فالمبدع يرحل بجسده كسائر المخلوقات، لا ضير في هذا لأنه حُكمٌ إلهي، لكنَّ الله عز وجل بحكمتِه وقدرتِه، قد كتب الخلود الدنيوي علي كل روحٍ خلاقةٍ مبدعة، بأن يظل صنيعُها ملاذًا للباحثين والطلاب.
أشرف علي عبد اللطيف خليل أحمد محمد البولاقي – الشهير بـ “أشرف البولاقي” شاعرٌ وأديبٌ مصـري معاصر، يقيم في محافظة قنا، وتعود أصوله ومولده، إلي “برديس” الواقعة أقصـي جنوب محافظة سوهاج، والتي أتشـرف بالانتماء إليها، لبِس سوار القراءة والاطلاع منذ كان صبيًا صغيرًا في المرحلة الإعدادية، حيث كان قارئًا نهمًا لكتابات القدماء والأولين، أمثال عنترة وامرئ القيس والمتنبي وأبي نواس والمعري والبحتري وابن الرومي وغيرهم، ساعده علي ذلك سليقته الفصيحة بالفطرة في النطق والكلام، ثم تطور في قراءته واطلاعه، مستعينًا بأهل العصـر الحديث كشوقي والعقاد ونزار ومحمود درويش وغيرهم، إلا أن محطتي طه حسين ونصـر حامد أبو زيد، كان لهما تأثيرٌ مختلف علي عقلية البولاقي واتجاهاته الفكرية والأدبية، فقد فتحَتا له أبواب التأمل والتمرد التي كانت كامنة في شخصيته دون أن يدري، وهذا أمرٌ طبيعي لحداثة السن وقلة الخبرة في تلك المرحلة، في إثر ذلك بدأت المفاهيم والمسلّمات التي يتبناها السواد الأعظم من الناس في التغيير لدي المبدع الشاب وقتها، مما جعله ينتقل إلي مرحلةٍ من النضوج الذهني المبكر، وقد أدي هذا تلقائيًا لحضور فكرة العقل والحداثة بقوة في إدراكه وبصيرته، محاولًا بعدها أن يلعب دورًا حقيقيًا في محاولة تغيير أو تصحيح بعض مفاهيم العقل الجمعي، علي أقل تقدير في مجتمعه المحدود الذي يقيم بين ظهرانيه.
ومع التحاقه بكلية دار العلوم بالقاهرة، تشـرَّبت روحه الشعرية، رحيقَ التذوق والقدرة علي تفنيد الجيد والرديء، وهو ما جعله طالبًا مشاغبًا لا يرضي بغير الكمال الإبداعي وحتي الدراسي، وهو ما أثار بالطبع حفيظة أساتذته والمحيطين به.
كل تلك المحطات وغيرها في حياة أشرف البولاقي، قد أثَّرت تأثيرًا واضحًا في أسلوبه الشعري والأدبي علي المدي الطويل بعد ذلك، حتي صنع لنفسه مدرسةً ثقافية ذات فلسفةٍ خاصة، خلقَت منه مقاتلًا صُلبًا دون عنفٍ أو بذاءة، يدافع عن أفكاره ويذود عنها بكل قوة دون الإساءة لأحد، لذلك كان البولاقي إذا سلك طريقًا فنيًا معينًا بعد دراسةٍ واقتناع، لا يمكن تغيير جادةٍ واحدةٍ في هذا الطريق، إلا بالأفضلية السليمة والمقنعة لعقله وأفكاره.
بدأ البولاقي حياته الأدبية بشكلها الاحترافي، شاعرًا بقماشةٍ فنيةٍ متفردة، عندما أصدر ديوانه الأول “جسدي وأشياء تقلقني كثيرًا” عام 1999، وديوان “سلوي وِرد الغواية” 2003، وهو ما ترجم روحه الشعرية الفذة وقدَّمها للوسط الأدبي في مصـر، ثم ديوان “واحدٌ يـمشي بلا أسطورة” 2008، ثم توالت الدواوين والكتب التراثية، فقد أصدر كتابًا في التراث الشعبي بعنوان “أشكال وتجليات العدودة في صعيد مصـر” 2011، وديوان “والتين والزيتونة الكبري وهند” 2013، وكتابًا ساخرًا من جزأين بعنوان “رسائل ما قبل الآخرة”، ثم بدأ أشرف البولاقي يلج بخطواتٍ ثابتة في مرحلة النضوج الأدبي والفكري، حين أصدر ديوان “نصوص من كتاب الأصدقاء” الذي فاز بجائزة شعر الفصحي في معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2018، ومجموعتين قصصيتين هما؛ “خدش حياء” و”عن الذي لا يموت” ثم توالي بعد ذلك في تأليف العديد من الكتب المهمة في السـرد والشعر والنقد والخطاب الديني والاشتباك مع المقدس، ولا شك أنها كانت إضافةً مهمة للمكتبة المصـرية والعربية، هذا بخلاف نشـره لعشـرات المقالات والقصائد والقراءات النقدية في الصحف والمجلات، فضلًا عن تأليفه أو جمعهِ أو تقديمه للعديد من كتب التأبين أو الاحتفاء بأصدقائه ومحبيه، سواء مَن رحل منهم أو الموجود علي قيد الحياة، كما أنه – رحمه الله – كان عضوًا مؤسِّسًا في منتدي برديس الثقافي في مسقط رأسه برديس، وكان عامودًا أساسيًا من أعمدة المنتدي رغم بُعد المسافات حتي رحيله بسلام.
لم يكن أشرف البولاقي – رحمه الله – حالةً استثنائية كما يزعم الجميع، بل كان ظرفًا خاصًا لمجتمعه ومحيطه، والفرق بين الأمرين من وجهة نظري؛ أن الحالة يكون حضورها مؤقتًا، وذكراها بعد حين  قد تدعو للابتسام أو الاندهاش أو الحزن، أو لأي صفةٍ من صفات التأثر المعروفة، أمّا الظرف فيكون مختلفًا في شأنه وفحواه، لأنه يترك علامةً لا تُمحي من الذاكرة، لما يترتب عليه بعد ذلك من مفاهيمَ وثوابتَ تدعو للتأمل علي المدي الطويل، مما يجعل ذكراه لا تفني في حديث الأجيال.
فاجعة الرحيل المفاجئ لأشرف البولاقي، لم تكن صدمةً للمجتمع الثقافي والأدبي فحسب، بل امتد الأمر كذلك للظهير المجتمعي العام، حيث شخصية المبدع لدي المقربين من هذا الوسط، أو شخصية الأديب الذي يعرفه العامة من خلال كتاباته أو مواقفه، لا سيما في عصـر “السوشيال ميديا” التي جعلَت العالم كله يجتمع بين يدي الإنسان بحركةٍ بسيطة في أي هاتف محمول يحمله في يده في أي زمانٍ أو مكان.
وهناك مواقف لن ينساها العارفون بالبولاقي، قد كانت في حينها مواقف محسوبة، منها الحادثة الشهيرة بحادثة المنصة، والتي وقعَت في أحد الاحتفالات في قنا، حين أنشد البولاقي أمام أهل السلطان في عصـر مبارك وقال: متي ياسيدي ترحل؟ وكان هذا القول حينئذٍ بمثابة قدومٍ علي شبه انتحار.
 وأيضًا مواقفه الإنسانية المحفورة في ذاكرة الوسط الثقافي، مثل اهتمامه بالتركة الثقافية للمبدع المرحوم عبد الجواد خفاجي، حيث الجهد والعناء والمشقة في تجميع وإعداد أوراق الفقيد المذكور؛ حتي أخرج للنور من باطن هذه التركة أربعة كتبٍ قيّمة، وكذلك كتابه “صانع الفرح” تأبينًا لرحيل المبدع عماد قطري، وكتابه الآخر عن واحدٍ من أصدقائه المقربين في مسقط رأسه برديس، والذي رحل قبل البولاقي بأقل من عام، وكان لي شرف المشاركة في هذا الكتاب الذي جاء بعنوان “في محبة عواد أبو الجمل” فضلًا عن العديد من الكتب التي ألّفها البولاقي عن أدباء الأقاليم، كالأقصـر وقنا والوادي الجديد والبحر الأحمر، وقد أشار قبل رحيله بزمنٍ بسيط؛ عن خمسة كتبٍ جاهزة للطبع، منها ما يتحدث عن أدباء أسوان.
تجربة هذا المبدع العظيم، الذي كان عاشقًا للعربية وربًّا من أرباب الفصاحة، تستحق دراساتٍ وافية، والمقصد هنا؛ هو الدراسات الأكاديمية المكتملة، الدراسات التي تشتبك مع عمق تلك التجربة الفريدة، سواء كان هذا في تجربته الشعرية أو الفكرية، وذلك إحياءً وتخليدًا لذكري رجلٍ كان واحدًا من أثرياء الجنوب في الفكر والثقافة والعطاء، كان ميزانًا حرًا في نقده ورؤيته الأدبية لأي منتَجٍ إبداعي يقع بين يديه، كان مصباحًا يهفو لحضوره منظمو الندوات والفعاليات في أقاليم الثقافة من كل أنحاء المحروسة، كان مبدعًا حقيقيًا يملك جمهورًا من الأحباب والمريدين كواحدٍ من رموز الثقافة المعتبرين.
كان أشرف البولاقي في سنوات عمره الأخيرة، يتحدث كثيرًا عن الفقد وشعور البغتةِ في الرحيل، وقد قال جهرًا أمامي غير مرة: أريد أن أذهب بغير عداوةٍ أو ضغينة مع أحد، ولذلك كان قبل فترةٍ وجيزة من ساعتهِ الحزينة القاسية التي جاءت علي غرة، قام بتصفية الأجواء المصابة بالشوائب بينه وبين بعض أصدقائه ومعارفِه، فكان يبدأ هو بالتواصل معهم، أو يتحدث إلي وسيطٍ يثق به للقيام بهذا، وكنت شاهدًا علي بعض هذه المواقف، وعلي علمٍ بأخري بحكم علاقتي بهذا الرجل العظيم.
كانت آخر قصيدة من الشعر نشـرها البولاقي علي صفحته العامرة علي الفيسبوك قبيل وفاته بأيام، هي القصيدة المهداة لابنه مازن في منتصف أبريل 2026، حيث قال في مقطعها الأخير:
بعد أن أصغي جيدًا سأمضي
سأمضي خفيفًا
خفيفًا بما يكفي لأن أختفي
ولأن تقولَ لنفسِك يومًا:
كان هنا.. لكنني لم أنتبِه!
وفي مساء الخميس الثالث والعشـرين من شهر أبريل 2026، كانت لحظة انتقال البولاقي إلي جوار ربه خفيفًا كما أراد، بريئًا من مساوئ الظلم والسواد، كريمًا كما عاش، مستورًا بغير إرثٍ أو أفدنةٍ تُقاس، ومن المعلوم أن هذا الرجل لو شاء أن يكون ذا ضِياعٍ لفعَل، بالتودد لأهل النفوذ والسلطان، لكنه اختار أن يسمو بذاته عن أي منقصةٍ أو دَنيّة، آثر الكرامةَ والكبرياء والشـرف علي كل فانٍ يسـيء إلي شخصه وإنسانيته، اصطفي نفسَه بأن يعيش مبدعًا مترفعًا عن مكارم المداهنة والتذلل والنفاق، طاهرًا من المثالب التي تشوّه جبين الشـرفاء، لذلك وأكثر؛ فإنه حين ترجلَ عن جواد العمر، ترجَّلَ فارسًا كما يكون الرجال.
كان أشرف البولاقي رجلًا يحمل من اسمه – أشرف - نصيبًا كبيرًا، كان طاقةً من النور تمشـي علي قدمين، يعشق السفر والترحال، من أجل رسالته الأدبية المقدسة، كان يؤمن بالفكرة دون الرأي في صاحبها، يشجع كل موهبة يراها في أي زمانٍ ومكان، لا يتواني عن أي مساعدةٍ إن استطاع، بل يبادر سعيدًا مرِحًا بتقديم يد العون والمساندة.
لم يكن هذا الرجل نبيًَا أو ملاكًا معصومًا من الأخطاء، بل كان بشـرًا يخطئ ويصيب، يأكل الطعام ويحاول جاهدًا أن يسير في بعض الأسواق، لكنه اجتهد بقوة روحه النقية الساعية للعمران والسلام، في أن يكون نبيًا في محبته، أو رسولًا في قُربه ونصيحته، أو ملاكًا يحمل قلبًا أبيضَ تعبيرًا عن صدقِه ومروءتِه. 
رحيل البولاقي قد صنع شرخًا كبيرًا في جدار الثقافة المصـرية لا سيما الجنوب، هذا الشـرخ لن يعالَج إلا بواسطة البولاقي ذاته، بكتاباته وإسهاماته الثقافية وأسفارهِ الأدبية القيمة، البولاقي بإرثه الأدبي والإنساني الخالد.
إن شخصًا مجهولًا سيقول ذات يوم، كنت أعيش في عصـر أشرف البولاقي، وسوف يقول آخر: كنا نذهب معًا إلي هذا المكان، ولعلنا نصيح جميعًا في لحظةٍ ما، نحن – أصدقاءه وتلاميذه ومحبيه – ونقول كما قال:   كان هنا.. لكننا لم ننتبِه!

مساحة إعلانية