مساحة إعلانية
ثلاثة أسابيع مضت على رحيل صديق عمري أشرف البولاقي، ومنذ وفاته أحاول الكتابة عنه أو رثاءه، لكن الكلمات تهرب مني. ربما لأن فراقه أكبر من أي كلام، وربما لأنني كلما جلستُ أمام شاشة الكمبيوتر ترتعش أناملي حين ترتسم صورته في ذهني، وحين يتجسد مخزون الذكريات التي تراكمت عبر سنوات من الصحبة والمحبة والتآلف والتلاقي، ينفجر ينبوع الدموع.
البكاء يمرضني، ويعجزني. لذا أتحاشاه وأقمعه. أنا رجل يصارع الدموع، وكثيراً ما أنجح في ردم ثغورها، وربما كان ذلك بعد بكاء طويل حزناً على أحبة ماتوا في أزمنة فائتة، حتى أصبحتُ يصدق عليَّ قول الشاعر:
" نزف البكاءُ دموع عينك فاستعرْ.. عيناً لغيرك دمعها مدرارُ .. منْ ذا يعيرُك عينه تبكي بها .. أرأيتَ عيناً للبكاء تُعارُ؟"
في الحادية عشرة صباح يوم 22 أبريل 2026 أرسل إليَّ أشرف البولاقي رسالةً يعزيني فيها بوفاة الصديق عباس منصور قال فيها: "آسف يا صديقي، تأخرتُ في تعزيتك في صديقنا عباس، لكنني حزين عليه كثيراً".. قلتُ له: هنئياً له رحيله للملكوت، ونحن عما قريبٍ سنلحق به".. قال أشرف: أنا واحد من هؤلاء الراحلين قريباً جداً".
في الواحدة ظهر يوم الخميس 23 أبريل 2026.. أرسل إليَّ أشرف رسالة مسلماً ومطمئناً وسائلاً عن أمور بيننا، قلتُ له: أمهلني للمساء سأخبرك عما سألت.
في التاسعة مساء اليوم نفسه، اتصل بي وأنبأته بما كان سائلي عنه.
قلتُ له ممازحاً: أين ستشاهد مباراة الزمالك وبيراميدز والتي ستهزمون فيها كالعادة.. قال: سأشاهدها في البيت وسنفوز.
كان هذا هو آخر حوار بيننا، لتصلني بعدها بنحو 3 ساعات رسالة من صديقنا مصطفى جوهر: " أنا آسف يا عمي بس البولاقي توفاه الله" .. قلتُ: عيب عليك يا مصطفى لم أعهدك إلا رزيناً جاداً..
أمسكتُ الهاتف قلتُ لأتصل بعبيد عباس لكنه لم يرد، فاتصلتُ بأشرف نفسه مرات على الماسنجر الذي تحدثنا خلاله، ومرات عبر الهاتف نفسه لكنه لم يرد .. وفي المرة الأخيرة ردت ابنته هند لتخبرني منتحبة: " ابويا مات يا عمو ابويا مات يا عمو.
الغريب أنني لم أبك .. لم أذرف دمعة واحدة.. فقط تملكني الذهول.. وهرعتُ إلى سريري .. احتميتُ بالغطاء .. وأمسكتُ الهاتف قلبتُ الرسائل المتبادلة بيني وبينه .. رسائل كثيرة ومتعددة نتحدث فيها عن كل شيء في الأمور الشخصية والثقافية والقضايا العامة .. قضيتُ وقتاً طويلاً أستمع إلى رسائله الصوتية وفي كل رسالة يأتيني صوته قوياً جهورياً متحدثاً بالفصحى.. .
كل رسالة كانت تفقدني جزءاً من وعيي وتماسكي وصلابتي .. كل رسالة كانت أشبه بأشواك تغرس في الروح.
***
قليلة هي المرات التي بكيتُ فيها بحرقة قاتلة وممرضة .. حين ماتت أمي احترقتُ بالدموع وأنا بكرسي الطائرة في طريقي لقريتي لأدفن جثمانها رفقة أخي محمود، وقبلها: حين مات أخي أحمد بين يديَّ وانا بجواره في المستشفى الفرنساوي بالقاهرة، والثالثة: حين مات أشرف البولاقي.
بالطبع أتناول الطعام والشراب، وألهو وأضحك، وأعمل، وأقرأ وأكتب وأمارس الرياضة، لكن ما إن أهم بالنوم كل مساء ترتسم في ذهني صورة أشرف.. تمر المواقف بخاطري أشبه بشريط سينمائي .. رسائلنا المتبادلة بخط اليد عبر البريد " وأنا في مصر وبعدها كان يراسلني حينما ارتحلتُ للكويت" .. رحلاتنا في المحافظات المصرية معاً .. مبيتنا في غرف واحدة بالفنادق.. تسكعنا في الشوارع .. ذهابنا إلى أماكن بعينها وزياراتنا المتبادلة في بيتينا.. خلافاتنا في وجهات النظر والتصافي السريع بعدها ..
كل تذكر يخلق غصة .. كل صورة ذهنية تخلّف ألماً في الصدر وانقباضة في الروح..
موت أشرف البولاقي بتر لجزء كبير من الروح، وجزء كبير في الحياة سيظل شاغراً.. لا أتخيل نزولي من الكويت إلى صعيد مصر بلا وجود أشرف.. فهو ملح الحياة وفاكتها، ومصباحها المضيء..
قلتُ له: بطل مبالغة في الأمور وانزل إلى أرض الواقع قال لي: حاضر يا عمي.
حدثني عن أحاسيسه ومشاعره يوماً.. فزجرتُه وقلتُ له: تالله إنك لفي وهم وضلال. فرد قائلاً: لعلك محق يا صديقي.
قلت له انت يا واد: بطل هذا العبث " منتقداً له في تصرف ما ".. قال لي: حاضر.
في كل أمر أجده هكذا مستكيناً استكانة المحب الحبيب القريب، لكنه أبداً لم يكن مستكيناً في رحيله.. إذ ألقى حجراً هائلاً في بحيرة القلب والروح وبتر معه ذراعي وغصن قلبي وأغلق نافذة كان ينفذ منها الضوء إذا التقينا وطوح بنا الحنين والأنين.
***
ذات يوم كنا نتحدث عن الموت والحياة والمآل. قلت لأشرف: عدني إذا رحلتَ قبلي أن تزورني في المنام لتخبرني عن حالك وماذا وجدتً هناك؟.. قال: أعدك..
منذ يومين زارني مسلماً لكنه لم يمكث طويلاً، استيقظتُ وأنا أقول له: بطل مبالغة وتعال أريدك فوراً نجلس ونأكل ونرتحل معاً إلى حقول في أقاصي الصعيد.. نمشي معاً بلا صخب ولا نقاش ولا جدال ولا التقاط صور.. فقط ننفث معاً زفرات الأنين.