مساحة إعلانية
لم يمت أشرف البولاقي وحده ... شيءٌ ما في روح مصر هو الذي مات..مات ذلك الصوت الخافت الذي كان يمشي بين الناس دون ضجيج، ويحمل وجع الفقراء كأنه صلاة.
يا الله… كيف يموت شاعرٌ بهذا النقاء ويمرُّ الخبرُ في البداية كأنه خبرٌ عابر؟! كيف يرحل رجلٌ قضى عمره يزرع اللغة في أرضٍ بور، ثم لا يجد عند موته إلا دموع المتأخرين؟ أنا لا أرثي أشرف البولاقي الآن… أنا أرثي جيلاً كاملًا من الرجال الطيبين الذين عاشوا بشرفٍ أكثر مما ينبغي
في زمنٍ يعاقب الشرفاء. كان الرجل يشبه قصيدةً قديمة نسيها الناس في درج الوطن.
لا يصرخ. لا يتسول الضوء. لا يعرف كيف يبيع نفسه للمنصات.كان فقط يكتب… يكتب كأن قلبه حفرةٌ مفتوحة على الجنوب كله. في صوته كانت قنا تبكي،وكانت سوهاج تمسح دموعها بطرف الجلباب،وكان النيل يمشي حزينًا كأبٍ فقد أبناءه. .حتى ملامحه… كان فيها شيء من تعب الأنبياء. أتدري ما الذي يوجع أكثر؟ أن هذا الرجل عاش عمره كاملًا تقريبًا وهو يحمل الثقافة فوق ظهره وحده، بين الندوات والكتب والأحلام الصغيرة، دون أن يشعر أحد بأنه يتآكل من الداخل.
ثم فجأة… حين مات، خرج الجميع يتحدثون عن “القيمة الكبيرة”.
أيُّ لعنةٍ هذه؟ لماذا لا تعترف هذه البلاد بشعرائها إلا حين يصبحون صورًا سوداء؟ لماذا يجب أن يموت الإنسان كي يُصدَّق أنه كان نقيًا؟
أشرف البولاقي لم يكن مجرد شاعر.. كان آخر ما تبقى من الحياء الثقافي. وكانت قصيدته تشبه رغيفًا ساخنًا في بيت فقير. تشبع الروح حتى لو ظل الجسد جائعًا.الآن رحل… رحل وترك كتبه وحيدة على الرفوف، ترك نظارته ربما فوق مكتبٍ بارد، ترك فناجين القهوة الناقصة، وترك قلوبًا كثيرة تشعر بالخجل لأنها لم تقل له وهو حي: “شكرًا لأنك كنت حقيقيًا.”
يا أشرف… أقسم أن موتك ليس موت رجل.
إنه موت زمنٍ كامل.. كان الشعر فيه يُكتب بالدم لا بالإعلانات. نم هادئًا أيها الجنوبي الحزين… فهذا العالم لم يكن يليق بقلبك أصلًا. وصدقني…بعض الشعراء حين يموتون
نشعر أن الله أغلق بابًا من أبواب الرحمة في الأرض