مساحة إعلانية
*الذكرى السنوية الأولى للشاعر الراحل عماد علي قطري (8أغسطس 1965- 9 فبراير 2025م)
"لماذا غبت عن دربي؟
لماذا غابت الأنسام والأزهار
عن قلبي؟"
كلما هممت بالجلوس أمام الحاسوب في محاولة للكتابة عنك أتوقف وأنا أشعر بالحيرة ، فتهرب الكلمات ، وتجف الحروف أمام الدروب الكثيرة والأودية التي تتشعب وهي تحاول أو تخط ملامحها وحروفها ، فما قدمته غزيز ،وما عرفته عنك كثير ،وامتدت صداقتنا وانفتحت أبوابها على عالم شاسع من المحبة والإنسانية والعطاء والإيثار.. الخ
وكنت تسير بين الناس بإنسانيتك التي تحلق بروح ملائكية ، فتفعل ما لم يستطع غيرك من البشر فعله، بهذه الروح الملائكية التي تؤمن برسالتها , رسالة العطاء والإيثار ،والمحبة ، والتغاضي عن المكاره، وما أكثرها في الوسط الثقافي ، فيفتعلها أصحاب النفوس المريضة ، وتتغاضى عنها وتغض الطرف بروح محبة ، فاستحققت أن تتوج " صانع الفرح " .
فمن غيرك يصنع الفرح لكاتب أعيته الحيل ، وسدت في طريقه منافذ كثيرة ، فقدمت له الفرحة ليرى كتابه بين يديه في طبعة أنيقة .
من غيرك يجوب البلاد طولا ورضا بحثا عن موهبة حقيقة، وكاتب يستحق أن يوضع في مكانته الحقيقية التي حجبته عنها عوامل كثيرة .
من ومن ... فما قدمته من خلال مركز قطري خلال عقد ونيف من الزمان بجهدك ومالك وحدك .. تعجز عن تقديمه مؤسسة ثقافية بكل ثقلها وإمكانياتها .
وكنت تهمس بتواضع دائما : نحن لسنا ضد أي أحد ، ولكننا جميعا نكمل بعضنا البعض ، ونسعى جميعا من أجل العمل الثقافي في وطننا الحبيب.
"لماذا يخاف الفؤاد الوداع؟
سؤال عسير بلا أي شك"
أي وداع هذا وأنت لا تغيب، ولن تغيب؟ ، فكيف يغيب من أستوطن في الفؤاد، وتوغل في ثنايا الروح ؟!
كيف .. كيف ياعماد .. وأنت الذي جبت البلاد طولا وعرضا تنشر الفرح بين الجميع .
تأخذني الأيام لأوجاعها، وتغيرني المواقف وتعصرني بجبروتها وتنكرها القبيح المقيت، وتبقى أنت رمز النقاء والصفاء والمحبة ،تذوبني بحضورك المتوغل في ثنايا الروح والقلب ، ومازالت أكررها : من لي بمثلك ياعماد ؟ .
رحلة طويلة أيها الصديق الرفيق ..
خلال رحلة الصداقة التي بدأت تتوطد مع رحلة مركز عماد قطري للإبداع والتنمية الثقافية، بدأت تتفجر معالم الرجل الذي يضيف كل لحظة لإنسانيته الكثير، يحمل بداخله نصف نقاء العالم، ونصف جمال الكون، ونصف بساطته، وكل همومه، بداخله إنسان خلق لإسعاد الآخرين، لا يفكر في نفسه على الإطلاق، سعادته الأثيرة أن يرسم ابتسامة في قلب إنسان قبل وجهه، يقسو على نفسه كثيرا من أجل أن يجد يحقق حلم الغير.
لديه حلم يوتيوبي أثير ، لا نجده إلا نادرا في واقعنا المرير المعجون بالأنانية الحمقاء .
غلب حاتم الطائي وتفوق عليه في كرمه وشهامته وعطائه الباذخ الذي لا يعرف الحدود .
يوزع أوراد المحبة على الجميع في حضرة الدنيا الوسيعة رغم كل ما يلاقيه من نكران وجحود ، وأحيانا هجوم غير مبرر من بعض من يد لهم يده البيضاء من غير سوء .
عماد على قطري الشاعر والإنسان والمهندس الذي يعيش في غربته ينزف عرقا وتعبا، وكما قالوا: " لا يؤلم الجرح إلا من به ألم " ومع ذلك نجده يتخطى كل آلامه وأوجاعه ليواصل رحلة العطاء التي وهب لها نفسه عن طيب خاطر .
وما قدمه من خلال مؤسسة عماد قطري - والذي شرفني بأن أكون نائبا له - من حر ماله وحده فقط دون أي مشاركة من أحد يوازي عمل مؤسسة ضخمة، فخلال سنوات قليلة بدأت عام 2011م ألقت هذه المؤسسة بظلالها الوارفة على وسطنا الثقافي في مصر والعالم العربي وقدمت للإنسانية حوالي 5000 مطبوعة، واكتشف العديد من المواهب والمبدعين في كل أنحاء الوطن العربي من خلال مسابقاتها المتعددة التي يحكمها نقاد وأساتذة أجلاء بدون أجر محبة في هذا العمل المؤسسي الذي أتخذ عنوانا " صناع الفرح " وكانت المؤسسة برعاية المهندس والشاعر عماد قطري صانعة لفرح حقيقي،وتركت أثرها الواضح والجلي في كل ربوع مصر والعالم العربي .
صانع الفرح والبهجة والسعادة عماد علي قطري ، شخصية نادرة الوجود، من الصعب على شخصي وأنا القريب منه جدا أن أتناوله على عجالة في زاوية مديح المحبة ،و لنا لقاء آخر مع هذا الإنسان الباذخ العطاء، الحاضر بوهج ، رمز المحبة الصادقة ، والفطرة الإنسانية بكل ما يحمله من نقاء وبهاء وشموخ .
رحمك الله رحمة واسعة يا " عمدة " المحبة ، وعطر ثراك برايحين المودة التي كنت تنثرها بين عباد الله بكل حب وصدق وأريحية
وتقف الأحرف عاجزة أمام سطوة حضورك ، وعطاء محبتك الباذخ ، وحضورك الأثير في لب أرواحنا وعقولنا وقلوبنا .
" من يمنحً- الآن – الفؤاد
سكينة الدفء البعيد؟
ويعيد ترتيب المساء ونجمنا لاهِ
يعانق سطوة الأفق الشريد
والبدر أعلن في المدائن
غربة
وأناخ صمتا
فوق سارية النشيد "
" ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط " مقولة للزعيم " مصطفى كامل " تحضرني دائما كلما توقفت عند مواقف وأعمال الصديق الصدوق الشاعر الكبير والمهندس عماد علي قطري ، وما أكثرها المواقف والأعمال التي تجسد هذه المقولة في تصرفات وأفعال الرجل الذي لا يعيش نفسه ولكنه يعيش من أجل الآخرين ، يقدم لهم كل ما يستطيع من أجل إسعادهم دون انتظار كلمة شكر ، وكأن ما يقدمه لهم هو الواجب والمفروض، وكأنه خُلق من أجل الناس مهما كفله ذلك من جهد وعناء ومال ، ولكن هذه طبيعته ، وهذا دستوره في الحياة .
عماد قطري ملاك المحبة الذي يحلق في سماء الإنسانية ، يربت على القلوب الموجوعة ، ويطبطب على الأرواح المنهكة ، ويساند الأصدقاء والصحب، ومن يعرفهم ومن لا يعرفهم بمحبة وروح ملاك في زي إنسان .
إنسانية ومحبة عماد قطري لامست شغاف قلوب كل من حوله بإنسانيته منقطعة النظير، يرفرف بجناحي المحبة والعطاء دون أن يطلب منه أحد ذلك، فهذه طبيعته الملائكية التي تسارع لأداء العمرة عندما يموت صديق حتى لو كان هذا الصديق مجرد صديق على الواقع الافتراضي الأزرق ، ولكنه إنسان يستحق أن يتوج بعد رحلته بعمرة قد تزيل غبار الذنوب، وتربت عليه وهو تحت الثرى .
الملاك المحلق في سماء الأدب والثقافة له أيادي بيضاء على عدد كبير من شعراء وأدباء الوطن العربي بنشر أعمالهم من خلال مركز قطري للإبداع والتنمية الثقافية، الذي تحول خلال أقل عقد من الزمان لمؤسسة ضخمة بما قدمته من عطاء ثقافي إبداعي كبير تحمل وحده تكاليف هذا النشاط الضخم من ماله الخاص رافضا أي دعم من الآخرين ، ولقب عن جدارة " صانع الفرح " .
ظل هكذا حتى آخر لحظة قبل أن يغادرنا بجسده فقط ، ويظل معنا بروحه وأعماله وما قدمه من منجز أدبي وإنساني
وسيظل صدى هذه المؤسسة علامة ثقافية رغم توقفها الآن بما قدمته من زخم وعطاء كبير بحجم محبته وروحه الملائكية التي تسع الكون .
آه ياعماد
الضوء يجييء
ويمر أمامي
يتوارى
لكنك أنت
تبقى
نقطة ضوء
وشعاع متوهج
في عمق الروح
وفي جوف القلب