مساحة إعلانية
لم يكن الدكتور مراد وهبة مجرّد فيلسوفٍ مصري، بل كان ضميرًا يقظًا يمشي على حافة الخطر، ويصرّ—بشجاعة نادرة—على أن الحقيقة لا تُهادن، وأن العقل لا يوقّع هدنةً مع الظلام.
برحيله، لا نفقد اسمًا أكاديميًّا لامعًا، بل نفقد حارسًا للعقل النقدي في زمنٍ تهاوى فيه التفكير، وصار الجهل فيه رأيًا، والتعصّب “وجهة نظر”.
اختار مراد وهبة أن يكون في قلب الاشتباك، لا في منطقة الأمان. لم يتوارَ خلف اللغة المواربة، ولا احتمى بترف التنظير. قال بوضوحٍ مُكلف إن التنوير ليس شعارًا، بل صراعٌ طويل مع بنى مغلقة تخشى السؤال لأنها لا تحتمل الإجابة.
حين تحدّث عن العقل، لم يقصده كزينة ثقافية، بل كأداة خلاص. وحين هاجم التطرّف، لم يفعل ذلك من موقع السلطة، بل من موقع المسؤولية الأخلاقية للمفكّر.
كان يعرف أن التفكير الحر يدفع ثمنه غاليًا في مجتمعاتٍ تُكافئ الصمت وتخشى المختلف، ومع ذلك لم يتراجع، لم يساوم، ولم يُخفّف لغته كي تُستساغ. آمن أن الفلسفة ليست ترفًا نخبويًّا، بل ضرورة حياتية، وأن العقل إن لم يُدرَّب على الشك تحوّل إلى أداة طاعة عمياء.
كان يُذكّرنا، بإصرارٍ مُرهق، أن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الفقر ولا الهزائم، بل تعطيل التفكير.
لم يكن مراد وهبة ناطقًا باسم أفكاره فقط، بل معلّمًا حقيقيًّا آمن أن المعرفة لا تُلقّن، بل تُوقظ. فتح نوافذ الفلسفة في عقولٍ اعتادت الجدران، وزرع في طلابه قلق السؤال لا طمأنينة الجواب الجاهز، وكان هذا في حد ذاته فعل مقاومة.
بموته، ينكشف الفراغ. لا لأن الساحة خلت، بل لأن القلّة الشجاعة أصبحت أقل. نفتقده لأن صوته كان يزعج، وكان يجب أن يزعج. نفتقده لأن معاركه لم تُحسم، ولأن الظلام الذي حاربه ما زال يقظًا.
لكن مراد وهبة لا يُرثى بوصفه نهاية. هو من أولئك الذين يتحوّلون بعد الرحيل إلى معيار: كلما سكت العقل تذكّرناه، وكلما انتصر الخوف عرفنا كم كان شجاعًا.
رحل الجسد، وبقيت الفكرة. وبقي الدرس الأقسى: أن الدفاع عن العقل ليس موقفًا ثقافيًّا، بل قدرًا أخلاقيًّا.
سلامٌ على من اختار الفلسفة في زمن السكاكين، وسلامٌ على عقلٍ لم ينحنِ حتى اللحظة الأخيرة.