مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

مريت بتاح … رئيسة الأطباء وأيقونة الشفاء بقلم محمد فتحى السباعى

2025-12-16 04:35 AM  - 
مريت بتاح … رئيسة الأطباء وأيقونة الشفاء بقلم محمد فتحى السباعى
محمد فتحي السباعي
منبر

ليست مريت بتاح اسمًا عابرًا في هوامش التاريخ، بل نبرةٌ عالية في قصيدة الإنسان الأولى عن الشفاء. تُقال سيرتها كما تُقال التعاويذ القديمة: بهدوءٍ مهيب، وبإيمانٍ لا يحتاج برهانًا كاملًا كي يعمل. في مصر القديمة، حيث كان الجسد كتابًا مفتوحًا على الروح، وحيث الطب صلاةٌ أخرى، تلوح مريت بتاح بوصفها رئيسة الأطباء، وملاك الرحمة، وأيقونة الشفاء.

يُقال إنها كانت “محبوبة بتاح”، وبتاح في الميثولوجيا المصرية ليس إله الحِرَف وحدها، بل إله الخلق بالعقل والكلمة. كأن الطب، على يديها، صار صنعةً عقليةً رفيعة، لا سكين فيها إلا بقدر ما فيها من حكمة. في بلاط الأسرة الثانية، حيث السلطة تُقاس بالذهب والطقوس، كانت امرأةٌ تقف في موضع القرار العلمي، تُشخِّص، تُداوي، وتكتب على جسد الزمن شهادةً مبكرةً بأن المعرفة لا جنس لها.

كانت مصر، يومئذٍ، تُنصت إلى نبض النيل كما تُنصت إلى نبض القلب. الطب معرفةٌ بالأعشاب، وبالكسور، وبالروح الخائفة من المجهول. ومريت بتاح—إن صحت الرواية—كانت تجسيدًا لهذا التوازن: عقلٌ يُمسك بالمِبضع، وقلبٌ يضع يده على الجرح قبل أن يفتحه. لم تكن الطبيبة الأولى فحسب، بل كانت المعنى الأول لفكرة أن المرأة قادرة على قيادة العلم، لا بوصفها استثناءً، بل بوصفها أصلًا.

غير أن الأساطير، مثل الجروح، تحتاج تنظيفًا. في زمننا الحديث، ارتفع السؤال: هل وُجدت مريت بتاح حقًّا؟ يقول باحثون إن الاسم ربما كان اختراعًا حديثًا، وإن النقش أُسيءَ فهمه، وإن الحكاية صُنعت بنيةٍ نبيلة: استعادة مكان المرأة في تاريخٍ طالما كُتب بصوتٍ واحد. هنا، لا تسقط مريت بتاح، بل تتبدّل صورتها. إن لم تكن امرأةً من لحمٍ ودم، فهي فكرةٌ من نارٍ ونور. وإن كانت اختراعًا، فهي اختراعٌ يكشف عطشنا لأسلافٍ يشبهون أحلامنا.

في هذا المفترق، لا ينهزم الأدب أمام التاريخ، ولا ينتصر التاريخ على الرمزية. فمريت بتاح—وجودًا أو مجازًا—تُذكّرنا بأن الحضارات لا تُقاس فقط بما ثبت بالدليل، بل بما ألهم السعي. هي سؤالٌ أخلاقي قبل أن تكون إجابةً أثرية: لماذا نحتاج إلى هذه القصة؟ ولماذا تُشفى أرواحنا حين نسمعها؟

إنها أيقونة لأن الأيقونات لا تُحاكم بالمتر والمسطرة، بل بما تُحرّكه في الوجدان. وهي ملاك الرحمة لأن الرحمة، في نهاية المطاف، فعل إنسانيّ سابق على كل توثيق. بين سقارة وكتب العصر، بين النقش والشك، تقف مريت بتاح كمرآةٍ لنا: هل نبحث عن الحقيقة وحدها، أم عن المعنى الذي يجعل الحقيقة قابلة للحياة؟

هكذا تبقى مريت بتاح—امرأةً أو أسطورة—علامةً مضيئة في تاريخ الطب والمرأة معًا. فإن وُجدت، فلها المجد. وإن لم تُوجد، فلها المجد أيضًا، لأنها كشفت فراغًا كان لا بد أن يُملأ، وجرحًا في السرد لا بد أن يُداوى. وفي الحالتين، يبقى الشفاء هو الحكاية الأصدق.

مساحة إعلانية