مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

مصطفى إبراهيم يكتب: تمخض الفراغ فأنجب «حميدًا»

2023-11-29 03:07 PM  - 
مصطفى إبراهيم يكتب: تمخض الفراغ فأنجب «حميدًا»
مصطفى إبراهيم
منبر

 قد يكون تقييم تجربة حميد الشاعري من الصعوبة بمكان يستحيل بلوغه، فتقييم أي تجربة، ولا نعني التجارب الفنية فقط، يخضع لعوامل عدة ليس أهمها الانتشار أو "النجومية"، وحين ترغب في التقييم المتجرد للنجاح تبدأ بالنظر إلى تلك العوامل وتحدد ما ينطبق منها على التجربة، الأزمة الكبرى في "حميد" أنك قد لا تستطيع الحكم إن كانت هذه المعايير متوافرة أم لا، فتقف عاجزًا عن مدح التجربة أو ذمها.

 ولدت "تجربة حميد" من رحم الفراغ الفني الذي وسم نهايات السبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي، حقبة جيل العظماء في الموسيقى العربية، أجيال شهدت كوكبًا في الشرق يشدو وعندليبًا يخرج الآهات من الصدور لا إراديًا، أجيال اعتادت آذانها الإبداع مجسدًا ولم تجد ما يعوضها بعدما رحلت الأجساد.

 لا مفر من الاعتراف من أن هذه الحقبة كانت "فراغًا فنيًا صرفًا"، ليس في الموسيقى فقط، فأشرطة الفيديو أتت على ما تبقى من فتات السينما، وصار نجومها محترفي ابتذال، لكن في الموسيقى تحديدًا تمثلت الأزمة في اعتياد جمهورها على الموسيقى الشرقية التقليدية، التي عشقوها بسبب "الأُلفة" من جهة، وعبقرية مقدميها من جهة أخرى، ما دفع "معاصرو الفراغ" إلى الاكتفاء بالماضي لأنهم ببساطة لم يجدوا من يقدم لهم الموسيقى التقليدية بإبداع القدماء، ولا من يجدد لهم موسيقاهم ويقدم ما يدفعهم للتعرف على أشكال أخرى غير التي عهدوها، فتلك فترة كان محمد ثروت من أبرز نجومها، وكفى بذلك وصفًا.

 محاولات التجديد كذلك سقطت في أفخاخ بعد أفخاخ من الركاكة والابتذال، فوصل المجتمع إلى ما يمكن تسميته "نقطة حرجة"، تسمح لأي تجربة بالانطلاق إذا ما راعت الحد الأدنى من احترام آذان المستمعين، وهنا جاء ظهور حميد، كانعكاس مباشر لرغبة ملحة في التجديد، بعد مرحلة كئيبة من الفراغ.

 لا يمكن الجزم بأن حميد نفسه قد آمن بموهبته بشكل مطلق، فبعد فشل ذريع لألبومه الأول "عيونها"، في بداية الثمانينات، قيل إنه تراجع عن طريق الفن وقرر المضي قدمًا ووأد المشوار في مهده، إلا أن شركة "سونار" أصرت على دعمه، وجاء الانطلاق من ثاني ألبوماته وبلغ مبلغ النجوم، وبدأت موسيقاه تُسمع بشكل فاجأ الجميع، ولعل رأي الموسيقار حلمي بكر في حميد، الذي تغير بالطبع، كان خير دليل على "نفسنة فنية" على ذلك الشاب الليبي الذي احتكر الأسماع بسرعة جنونية.

 لكن بعيدًا عن معيار الانتشار، هل أثرى حميد موسيقانا بالفعل؟ وقبل ذلك هل نتحدث عنه موزعًا أم ملحنًا أم مطربًا؟ وهنا يجب أن نبحث عن بعض نقاط لوضعها على الحروف، هل يصح تقييم حميد الملحن والموزع والمغني، إلا إذا اعتبرته "مطربًا"، ككتلة واحدة؟

 قد لا يختلف اثنان على نجاح الفتى الليبي، الذي طار إلى آفاق النجومية بسرعة لم يعرفها زمنه، لكن إغفال معيار "الاستمرارية " كأحد أهم عوامل النجاح، ظلم بيّن لحيادية التقييم، فنجومية حميد و"طرقعته" وانتشاره الجنوني وقت ظهوره أمور لا جدال فيها، لكن هل سأل محبو ما قدمه أنفسهم "أين حميد" الآن؟ وأين "طابور النجوم" الذين حلقت بهم موسيقاه؟

 مصطفى قمر، إيهاب، هشام، إذا أردت أن تعلم أين حميد بالتحديد فستجده قابع في نفس المكان الذي باتوا يشغلونه على الساحة، فقد عاشوا فترة "الزهو الحميدي" نجومًا على الساحة، وما إن تاهت التجربة واستفاق المستمع وأدرك كم كان "عاديًا" كل ما أسفرت عنه، حتى انقضى الزهو وأصبحوا ماضيًا وهم أحياء يرزقون، فيما عاش من مات جسده من جبابرة الموسيقى بفنه، بتحقيقه المعيار الأصعب... الاستمرار.

 ستعيش أم كلثوم أبدًا، لن يموت عبد الحليم ولن تغيب شمس عبد الوهاب، بإمكانك التوقيع و"البصم بالعشرة" على أنهم سيستمرون دون لحظة تردد، أما حميد، فهل تستطيع وضعه في خانة مقاربة؟

لا شك أن حميد قدم فنًا، غيّر مفاهيم وأضاف لموسيقى جيله، أبدع حينًا و"نشز"  أحيانًا، لكنك إن أردت تجردًا فلن تجد أثرًا باقيًا، اطلق لعقلك وخلايا مخك العنان واتركها تبحث عن الأثر، وإذا ما حدثت المعجزة ووجدته، فابحث عن حميد ذاته علّك تقنعه بأن الكاسيت انتهى وبدأ عصر يبقى فيه الأثر للإبداع لا لعدد الشرائط.

مساحة إعلانية