مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

مصطفى علي عمار يواصل حكاياته من حكايات زهرة "الكلاب والسماوي"

2026-06-03 02:02 AM  - 
مصطفى علي عمار يواصل حكاياته من حكايات زهرة "الكلاب والسماوي"
مصطفي عمار

من السماوي إلى التعقيم: قصة الكلاب الضالة بين رصاص الماضي وحلول الحاضر

السماوي ودموع الجراء: حكاية الثمانينيات حين صمتت القرية أمام الرصاص

في ثمانينيات القرن الماضي، كانت قريتنا محاطة بحقول القصب وجنائن الفاكهة وذرةٍ شاميةٍ تصل إلى عنان السماء في الصيف. أرضٌ واسعةٌ تبتلع الصوت، وفي فصل الشتاء مع الظلام وشدة البرد القارص تختفي في ثناياها ما لا تُحمد عُقباه. لذلك كان لا بدّ من الكلاب. 
كنا نربيها لحراسة البيوت والمواشي، فتلد فتملأ الأفنية. كلابٌ بلديةٌ أصيلة، مختلطة الألوان يغلب عليها السُمرة، حادةُ السمع، وفيةٌ لدرجة الوجع. لكن الحكومة كانت تسميها "كلابًا ضالة"، وكانوا يقولون إن الكلاب معرضة لأن تحمل مرض السعار الخطير الذي ليس له علاج، وحفاظًا على حياة الناس لا بد من قتلها.
وفي إحدى المرات كان لي صديق أيام طفولتنا يلعب على الجسر، ففاجأته كلبة من كلاب منزل في قريتنا عندما رأته أمام منزل صاحبها، فعضته وأدمت وجهه وشجّت رأسه. ولولا أن الأهالي أسرعوا به إلى المستشفى الأميري العام بالمدينة لكان ضاع.  
تم إسعافه وإعطاؤه مصل الكلاب، وكان وقتها حقنًا في البطن مؤلمة يتجرعها المريض على مدى أيام. كانت الجرعات تصل إلى أربعة وعشرين حقنة، يتجرع خلالها الألم ومرارة الذهاب والإياب في كل موعد. لكن الآن تطوّر المصل وأصبح خمس جرعات فقط عن طريق الحقن في الذراع.
وما أن يهل يومه كالمعتاد كل عام حتى تنتشر الهمة في الأزقة: "السماوي نزل البلد!".  
السماوي... رجلٌ بزيٍّ عسكري، يجيء من المدينة ببندقيةٍ على كتفه وكيسِ قماشٍ مثقلٍ بالرصاص معلّقٍ على صدره.  
وعندما سألت عن سبب تسميته بالسماوي علمت أن هذا الاسم قديم ارتبط به. فكانت الدولة قديمًا تكلّف شخصًا وتعطيه بعضًا من السموم، فيجوب الشوارع يضع السم القاتل في الخبز ويلقيه للكلاب، فتأكل منها ويكون مصيرها الموت. لذلك ظل اسمه السماوي حتى بعدما قلّدوه بندقية بأعيرة نارية.
ما إن تطأ قدمه تراب القرية حتى يُصاب الهواء بالخوف. يمشي في الشوارع فيطلق النار بلا تريّث. 
الكلب الذي يتأخر عن الاختباء، الذي يخرج من زريبته ليهزّ ذيله لصاحبه، يلقاه رصاص السماوي فيسقط ممددًا على التراب، ساكنًا إلى الأبد. ومن يجرِ يلاحقه حتى يدركه. هكذا يظل يدور من شارعٍ لشارع، حتى تتحول القرية إلى بحرٍ من دمٍ وصمت. 
لم يكن أحدٌ يجرؤ أن يقول له: "حرام". فهو مأمور، ومن يعترض يُساق إلى النقطة ويُسأل. فكنا نبتلع ألمنا ونسدل ستائر بيوتنا على مشهدٍ لا يليق ببشر.
وحين يرحل السماوي، تخرج النسوة والرجال يجمعون الجث. صغارًا وكبارًا، يجرّونها إلى أطراف القرية، إلى الخرابات ومقابر الحيوانات، أو يلقونها على حافة الترعة أو المصرف خارج القرية.  
والمشهد الأقسى كان حين تكون المقتولة كلبةً لها جراء. نضع الصغار بجانب أمهم الميتة، فتبقى تنبح وتدور حولها لا تفهم لماذا لا تقوم. تبكي بلا دمع، حتى ينقطع نباحها ويخفت صوتها، ويدركها الموت جوعًا وبردًا تحت شمسٍ لا ترحم، بجوار جثةِ أمٍ قتلها أمرٌ لا رحمة فيه.
وكنا نحن، تلاميذ الابتدائي، نعود من المدرسة بقلوبٍ مثقلة. في كتاب الدين قرأنا حديث رسول الله ﷺ فلم نفهم كيف يجتمع ما نقرأ مع ما نرى:
عَنْ أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ:
"بَيْنمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريقٍ اشْتَدَّ علَيْهِ الْعَطشُ، فَوجد بِئراً فَنزَلَ فِيهَا فَشَربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإِذا كلْبٌ يلهثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ العطشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَملأَ خُفَّه مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَه بِفيهِ، حتَّى رقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَه فَغَفَرَ لَه.  
قَالُوا: يَا رسولَ اللَّه إِنَّ لَنَا في الْبَهَائِم أَجْراً؟  
فَقَالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ".
وسمعنا كيف «عُذِّبت امرأةٌ في هرةٍ حبستْها حتى ماتت، فدخلت فيها النارَ، لا هي أطعمتْها ولا سقتْها، ولا هي تركتها تأكلُ من خشاشِ الأرضِ».
وقرأنا قوله ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».  
وكيف أن من قتل عصفورًا بغير حقٍّ سيسأله الله عنه يوم القيامة.
فكنا نسأل أنفسنا بصوتٍ خفيض:  
إذا كان هذا حكم السماء في كلبٍ سُقيَ ماءً، وفي هرةٍ حُبست بلا طعام، فماذا عن مذبحةٍ سنويةٍ بأمرِ حكومةٍ تعرف الله؟  
أليس اللهُ هو الذي أمر بالرحمة لكل شيء؟  
فلماذا لا يجيبنا أحد؟
وهكذا كانت تمضي أيام "السماوي"، ويبقى السؤال معلقًا في الهواء، أثقل من رصاصه، وأقسى من صمتنا.
وكنت أتساءل: كيف لنا أن نحمي الناس منها دون أن نقتلها أيضًا؟ ودارت في ذهني: لم لا تقوم الدولة بإعطائها حقنًا تمنع تكاثرها إلا حسب ما تحتاج أماكن الحراسة؟ وكنت من المؤيدين لعدم قتلها والرحمة بالحيوان كما أمرنا ديننا الحنيف، أو أن تتولى الدولة جمع الذكور منها لوضعها في مكان أو لتصديرها للدول التي تحتاجها، وبالتالي يتم تخفيض نسبة التكاثر فتقل أعدادها.


ثم دارت الأيام وتم منع نزول السماوي في أي مكان لقتل الكلاب، بسبب مناهضة جمعيات حقوق الإنسان وتطور المجتمع في التسعينات حتى الألفينات، ونشطت فيه جمعيات الرفق بالحيوان ووعي الناس والشفقة على الحيوان.
وفي هذه الأيام في عصرنا هذا زاد الحديث عن كلاب الشوارع في مصر بعد كثرتها في كل مكان، ريفًا ومدنًا. بل إنها زادت في كل مدينة، وبدأت شكاوى الأهالي منها ومن مهاجمتها للأطفال في الشوارع. بل سُجلت أكثر من حالة اعتداء من الكلاب على أطفال وكبار، بل تسببت في موت البعض.
مما جعل الناس تنقسم قسمين: من يطالب بإبادتها، ومن يطالب بالرحمة بالحيوان. وبعضهم يؤكد أن القضاء عليها يحدث خللًا في البيئة.  
لكن كلاب الشوارع أصبحت ظاهرة تؤرق الناس ولا بد لها من حل أيضًا... إلى أن قرأت مقالًا عن هذه الظاهرة في هذه الأيام للكاتب الصحفي المصري أسامة الألفي، ويطرح فيه رؤيته لكيفية معالجة هذه الظاهرة والتي أعجبتني فكرتها.
وكانت رؤيته ومعالجته للظاهرة تتلخص في حلٍّ وسط يجمع بين حماية الناس والرحمة بالحيوان. فالكلاب الضالة تمرح اليوم في الشوارع بأعداد مهولة. وفقًا لتصريحات وزير الزراعة يناير 2026، تتراوح تقديراتها بين 8 إلى 14 مليون كلب، وبعض جمعيات الرفق ترفع الرقم لأكثر من 40 مليونًا. وسجلت مصر وحدها 1.4 مليون حالة عقر في 2025، كثير منها من كلاب يربيها مواطنون بلا كمامات ولا ضوابط، بل يستخدمها بعضهم للبلطجة وإرهاب الناس. أما الضالة فتتكاثر بسبب القمامة والعشوائيات، وبسبب حراس الجراجات والعمارات الذين يربونها بلا تكلفة لتساعدهم في عملهم، غير عابئين بنباحها ومخلفاتها وإزعاجها للنساء والأطفال، وما تسببه من أمراض نفسية وجسدية تصل إلى 30 مرضًا، منها طفيليات الكبد والعيون، فضلًا عن خسائر تزيد على مليار ونصف مليار جنيه سنويًا تنفق على الأمصال والإسعافات في 300 مركز للعقر.
ويرى الكاتب أن الحل لا يكون بالقتل، فالشرع لا يبيحه إلا للكلب المسعور، وقتلها يخل بالتوازن البيئي لأنها تحمي المدن الجديدة من الثعابين والذئاب والثعالب. ولذلك يقترح أن تتولى الدولة اصطياد الكلاب وتعقيمها ثم نقلها إلى مناطق غير مأهولة لتقوم بتطهيرها من الزواحف والقوارض، فتكون حماية طبيعية لتلك المناطق، وربما تُضم لاحقًا للظهير العمراني للمدن. كما يرى ضرورة تشديد ضبط حيازة الكلاب الأهلية بحظر اقتنائها إلا بترخيص من مديرية الطب البيطري، مع إنشاء سجل خاص لكل كلب يحمل رقمًا مسلسلًا ولوحة معدنية، وتوقيع عقوبات حازمة على المخالفين. ويربط ذلك بمعالجة أسباب التكاثر من جذورها عبر تحسين النظافة ومنع تراكم القمامة وإلزام أصحاب الكلاب بوسائل السلامة، مؤكدًا أن التحرك العاجل من الدولة ضرورة قبل أن تتفاقم المشكلة ويصبح حلها مستحيلًا. ويختم بأن الحل الحقي يكمن في تحرك الدولة السريع، كيلا نفاجأ يومًا بعجزنا عن المواجهة.
وتظل ظاهرة كلاب الشوارع هاجسًا يؤرق المواطنين خوفًا على أطفالهم، وألمًا يؤرق ضمائرهم عند قتلها. وعلى الدولة أن تتحمل مسؤوليتها بأجهزتها وبحوثها العلمية ومقترحاتها، وتسعى للوصول إلى حلٍّ يحفظ التوازن البيئي ويحدّ من التكاثر، دون التفريط في سلامة الإنسان وأمنه.
وتبقى حيرتنا ممزوجة بحزنٍ وألمٍ على ما شهدناه من قسوةٍ على الحيوان، ولا يزال مسلسل التعذيب مستمرًا في صورٍ مختلفة.  
هذا التناقض يصطدم صراحةً بتعاليم ديننا الإسلامي، بل وبكل الأديان التي أمرت بالرحمة بكل ذي روح. فكل ما على الأرض أمانةٌ في عُنق الإنسان، صاحب العقل والقرار.  
فليته يُدرك ثِقَل هذه الأمانة، ويخشى الله في خلقه، ويُليّن قلبه بالعطف والشفقة، فلا ينجو هو إلا إذا رحِم، ولا يُصلح الأرض إلا إذا عَدَل.

مساحة إعلانية