مساحة إعلانية
ونحن نعيش في زمنٍ كثيف الظلام، خرج نجيب محفوظ من بين جدران القاهرة كأنه نبيٌّ بلا وحيٍ سماوي، لكنه ممتلئٌ بنور الإنسان. يرسم بأصابع الفنان وروح الأديب شخصية مصر من خلال رؤية مبدع يعرف معنى الضوء يعزف أنشودة الخلود على أوتار الشعب.. رسول للحرية ..محرر للعقل ..مبحر فى عالم الحرافيش .. درويش مفكر ناقد مجتمعي فيلسوف ورب للحرف
لم يحمل عصا، ولا ادّعى معجزة، لكنه حمل أخطر سلاح في القرن العشرين:
سؤالٌ يوقظ الأمم، وعقلٌ لا يقبل أن ينطفئ.
في «أولاد حارتنا»، لم يكن يعيد كتابة الأسطورة؛
كان يعيد كتابة مصيرنا.
جبلاوي، وأبناؤه، وحكايات الحارة، لم يكونوا شخصيات؛ كانوا طبقات من الوعي البشري،
تاريخًا يُعاد صياغته في حكايةٍ تبدو بريئة… لكنها تُفجّر المعنى في النهاية.
وحين تهزم الظلمةُ كل شيء،
وحين يصمت الأنبياء،
وحين يشتدّ الليل على الحارة،
لا يأتي الخلاص من السماء،
بل يظهر العالِم:
إنسانٌ يواجه المجهول بالعقل،
لا بالمعجزة.
بالمختبر، لا بالأسطورة.
بالبرهان، لا بالانتظار.
هناك، أطلق محفوظ أعظم نبوءة في الأدب العربي:
العلم هو النبي القادم،
والمعرفة هي الطريق الأخير إلى العدالة،
والإنسان هو الكائن الوحيد القادر على أن ينقذ نفسه.
وهكذا صار محفوظ صوت المستقبل في زمنٍ مُثقَل بالماضي،
وصار أدبه مرآةً للإنسان حين يقف أمام نفسه بلا ستر،
وصار اسمه، في وعينا الجمعي،
النور الذى كلما انطفأ العالم… عدنا إليه.