مساحة إعلانية
ها نحن نستقبل ضيفًا كريمًا بين رحمتي ربيعين، ضيفٌ اختصه النبي صلي الله عليه وسلم بالصيام حتي قيل: “ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان”. كأنما هو سرٌّ من أسرار الزمان، وقبس من نور بين شهري حرم وطاعة. شهر شعبان... اسمه مشتقٌ من التشعب، كأن الأيام تتشعب فيه خيراتها، والقلوب تتشعب شوقًا إلي رحمةٍ قريبة، والنفوس تتشعب بين خوفٍ من التقصير ورجاءٍ في المغفرة،
في هذا الشهر ترفرف الأرواح في فضاءات القرب، وتتنسم عبير الرحمة قبل أن تأتي مواسمها، لقد كان حبيبنا صلي الله عليه وسلم يكثر من الصيام فيه، وكأن صيامه كان استعدادًا روحيًا، وتربيةً للنفس علي الجوع قبل الجوع، وعلي العطش قبل العطش، كالمسافر الذي يتدرب علي مشاق الطريق قبل أن يشرع فيها،
شهر شعبان هو شهر القرآن، كما قال سلفنا الصالح، فيه ترفع الأعمال، فتطيب القلوب بذكر الله، وتشرئب الأعناق نحو السماء في ليلة النصف منه، ليلة البراءة والغفران. ليلةٌ يفيض فيها الجود الإلهي، وينزل المولي تعالي إلي السماء الدنيا فيغفر إلا لمشرك أو مشاحن، كأن الكون كله يحبس أنفاسه طمعًا في رحمة، ورهبةً من جلال،
إن جمال شعبان يكمن في تواضعه، فهو لا يعلن عن نفسه كشهري رجب ورمضان، لكنه يختزن في أيامه أسرارًا وبركات، هو كالروضة الهادئة بين جبلين شامخين، من يجلس فيها يتنسم عبير الزهور، ويسمع خرير الماء، ويستعد لصعود الجبل الذي يليه، كم من النفوس تجد في هذا الشهر فرصةً للعودة إلي الله بعد غفلة، وفرصةً للتوبة قبل أن تدركها أيام المغفرة،
ونحن في حضرة هذا الشهر، نذكر بمناسبة غالية، وهي تحويل القبلة من بيت المقدس إلي الكعبة المشرفة في نصفه. فكأنما هو شهر التحول والتوجه، شهر إصلاح المسار، وتصحيح الاتجاه، فيه تتجه القلوب إلي قبلتها الحقيقية، وتستعد لاستقبال مدرسة رمضان بكل جوارحها،
شهر شعبان هو شهر التدرب علي الطاعة، ومراجعة الحساب مع النفس، هو الاستعداد العملي لاستقبال ضيف الأعمار، فمن كان مشغولاً بنفسه في شعبان، كان فرحًا برمضان، ومن كان غافلاً في شعبان، كان تائهاً في رمضان،
فلنغتنم هذه الأيام المعدودات، ولنكن من الذين يتشعبون في طاعة الله، لا من الغافلين، ولنعد أنفسنا إيمانًا وروحًا وبدنًا لاستقبال شهر الخير والبركات، فشعبان هو البشارة، وهو التهيئة، وهو الدرب الموصل إلي رحاب رمضان،
hyasser10@yahoo.com