مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منبر

الرأي الحر

ياسر القاضي يكتب : "حاول تفهم"الحياة في ظل غياهب الفكر الغربي

2026-03-13 09:40 AM  - 
ياسر القاضي يكتب : "حاول تفهم"الحياة في ظل غياهب الفكر الغربي
ياسر القاضي
منبر

ليس هناك أقسي علي روح تنشد النور من أن تُجبر علي التنفس في غرفة أُغلقت نوافذها منذ قرون ،هذا هو حال من وجد نفسه يعيش تحت قبة فكر ليست من صنع يديه، وتُدار حياته وفق معايير لا تعكس تطلعاته، بل تفرض عليه شروط “الحداثة” كما تُصنع في عواصم بعيدة،
غياهب الفكر الغربي لا تعني بالضرورة ظلام الجهل، بل هي ظلمة الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة، ذلك النوع من الظلام الذي يحجب الرؤية لا بنقص المعرفة، بل بفائض اليقين ،إنها ظل الإمبراطوريات الفكرية التي تمد سلطانها علي العقول قبل الجغرافيا، وتعيد إنتاج التبعية بآليات أكثر تعقيداً من البندقية والمدمرة،
ما هي تلك الغياهب التي نعيش في ظلها؟ هي تلك الثنائيات الصارمة التي قسّمت العالم إلي مراكز وأطراف، إلي “متقدم” و”متخلف”، إلي منتج للمعرفة ومستهلك لها، هو الإيمان بأن تاريخ أوروبا هو تاريخ البشرية جمعاء، وأن ما ينفع في باريس ولندن هو بالضرورة صالح للقاهرة والدار البيضاء. هو ذلك الشعور الخفي الذي يتسرب إلي الوعي الجمعي فيجعل المثقف في الضفة الأخري يقيس إنجازاته بمقياس لا يراعي خصوصية سياقه،
في هذه الغياهب، يعيش الإنسان العربي والإسلامي مفارقة مؤلمة: يستهلك منتجات العقل الغربي بوصفها حقائق مطلقة، بينما هو مغيّب عن لحظة إنتاجها، عن شروطها التاريخية، عن صراعاتها الداخلية، يقرأ دون أن يسأل: كيف أنتجت الحداثة الغربية أدواتها النقدية في سياقها الخاص؟ يتابع تيارات ما بعد الحداثة وهو لم ينجز بعد مشروعه الحداثي المستقل.
أخطر ما في هذه الغياهب أنها تجعل من التبعية قدراً لا مفر منه ،حين يتحول الفكر الغربي من “آخر” نتحاور معه إلي “معيار” نقيس به أنفسنا، نفقد القدرة علي رؤية أنفسنا كما نحن، ونصبح نسخاً باهتة لا في الشرق ولا في الغرب،
لكن الحياة في الظل لا تعني الاستسلام ،الظل لا يخلو من حركة المقاومة، من محاولات اختراق النور، هناك دوماً من يرفض أن يكون مجرد صدى، من يحفر في تراثه ليس للعودة إلي الماضي، بل لاستنباط أدوات تمكنه من فهم حاضره، هؤلاء يدركون أن التحرر من الغياهب لا يعني قطع العلاقة مع الغرب، بل إعادة بناء العلاقة علي أسس الندية لا التبعية،
التحرر يبدأ بلحظة معرفية حاسمة: أن ندرك أن الحداثة ليست حكراً علي أحد.

[email protected]

مساحة إعلانية