مساحة إعلانية
ثمة شهور تمر بالذاكرة مرور الكرام، وثمة يوليو.. الذي يقف في تاريخ مصر شامخاً كالجبال، شاهداً على أمة رفضت الانكسار واختارت أن تصنع قدرها بيديها. ففي 23 يوليو 1952، تنفست مصر فجر الحرية؛ حيث انتفض الجيش والشعب يداً واحدة لإنهاء عقود من القهر والوصاية، معلنين ميلاد جمهورية فتية استردت كرامة الفلاح، وعزة العامل، وسيادة الوطن فوق أرضه.ومع تعاقب السنين، وحين هبت على الوطن رياح السموم وعصفت به التحديات، كان يوليو على موعد جديد مع القدر في عام 2014. في هذا التاريخ، وتجسيداً لإرادة الملايين في ثورة 30 يونيو، تقدمت قيادة وطنية جسورة لتنقذ هوية الدولة من الضياع، وتعبر بها من نفق الفوضى المظلم إلى آفاق الاستقرار وبناء "الجمهورية الجديدة". إن الرابط بين يوليو 1952 ويوليو 2014 ليس مجرد مصادفة في أوراق التقويم، بل هو شريان نابض بالوطنية، يثبت للعالم أن جينات التحدي والبناء تتدفق في عروق هذا الشعب العظيم من جيل إلى جيل؛ فما أشبه السد العالي بالأمس بمشروعات التنمية العملاقة اليوم، وما أشبه فجر الاستقلال الأول بعبور مصر الآمن نحو غد مشرق يحمي الأرض ويصون العرض.
يوليو.. العقدة الأزلية وتتر النهاية للجماعةفي مقابل هذا الابتهاج الوطني، لم يكره الإخوان شهراً في تقويم الزمن مثلما كرهوا شهر يوليو؛ فهو اللعنة التاريخية التي بددت أوهامهم، والشاهد الحي على تجريدهم من السلطة مرتين: الأولى حين حرمتهم ثورة 1952 المجيدة من طموح الحكم لستين عاماً، والثانية حين طردهم الشعب منها شر طردة بعد عام واحد من الاستبداد.تبدأ القصة حين حاولوا "أخونة" ثورة يوليو 1952 وصبغها برائحة تنظيمهم، ولما تكسرت أوهامهم على صخرة الوطنية المصرية، ناصبوها العداء ودخلوا مع رجالها في صدام دموي عنيف. لقد لخص مرشدهم الأسبق عمر التلمساني هذه العقيدة السوداء بإعلان "ثأر مع ثورة يوليو لا يمحوه إلا الدم"، وهو الثأر الذي لم يسقط برحيل جيل السبق، بل توارثه الأبناء واحتضنوه غلاً بين ضلوعهم.ولم تنطفئ شرارة هذا الكره الدفين حتى بعد وصولهم الزائف إلى سدة الحكم؛ فلم يستطع رئيسهم محمد مرسي كبح جماح غليظ قلبه، وخرج في أول خطاب له بميدان التحرير ليعلنها صراحة: «الستينيات وما أدراك ما الستينيات»، في إشارة مبطنة إلى أن الجماعة لم تنسَ ثأرها القديم. وكم كان المأزق خانقاً حين وجد هذا الشخص نفسه مضطراً لإلقاء خطاب احتفالي بعيد الثورة بعد أربعة أشهر من رئاسته!هنا، تفتق ذهن مكتب الإرشاد عن مخرج لغوي خبيث يحفظ للتنظيم كبرياءه المزعوم؛ فاستبدلوا كلمات الإنجاز والتحقيق بعبارات التشكيك، ليقول مرسي في خطابه اليتيم: «حاولت الثورة.. حاولت ثورة 23 يوليو أن ترسي مفهوماً للعدالة الاجتماعية.. ونجحت في بعض الأهداف وتعثرت في أخرى». لقد كان يحاكم الثورة ويهيل التراب على منجزاتها في يوم عيدها، عاجزاً عن التسامح مع التاريخ.لكن الميزان التاريخي لا يرحم، فقبل ثلاثة عشر عاماً، وفي شهر يوليو ذاته، جاءهم العقاب الشعبي الجارف بقرار من قوى الشعب والجيش في 3 يوليو 2013، ليزيح كابوسهم ويبدد آمالهم إلى الأبد. لم يلتقِ الإخوان ويوليو عبر العقود إلا على أرض الخصومة، واختار هذا الشهر العظيم لنفسه شرف صياغة تتر النهاية لتنظيمهم؛ فكرهوه شهراً، ونبذوه ثورة، وظل يوليو عصياً على الانكسار.
خاتمة: يوليو.. مسيرة تمضي وشعلة لا تنطفئإن التأمل في صفحات يوليو المجيد عبر التاريخ –من فجر عام 1952 وحتى بزوغ فجر الجمهورية الجديدة في عام 2014– يرسخ حقيقة واحدة لا تقبل التأويل: وهي أن مصر وطن لا يموت، وأمة تمرض ولكنها أبداً لا تنكسر. لقد أثبتت الأيام أن الروح الحرة التي قادت الضباط الأحرار وجموع الشعب نحو الاستقلال، هي ذاتها الروح الجسورة التي دفعت المصريين لإنقاذ وطنهم والبدء في ملحمة البناء والتنمية الشاملة. إن "شهر الانتصارات" سيبقى دائماً شعلة مضيئة تنير طريق المستقبل، وتذكرنا بأن عظمة الأوطان لا تُقاس بالسنوات، بل بحجم التحديات التي تقهرها وبصلابة الإرادة التي تصنع معجزاتها؛ لتمضي مصر عزيزة، أبية، وشامخة ببطولات ماضيها وعزيمة حاضرها نحو غدٍ مشرق يليق بـأنبل شعوب الأرض
فاللهم أدم على مصر نعمة الاحتفال بيوليو !