2026-03-07 14:06:06
مساحة إعلانية
لا أملُك سوى تلك الابتسامة والعينين البرَّاقتين بلونِ تلك الشتلة الخضراء التي بين يديّ، فصوتي وكلماتي يبدوان كالمُهرِّج في حُضورها، كم خذلتني حروفي مع أول كلمة تُنديني بها كقطراتِ الندى، فهي رغم عفويتها الملحوظة فإن كلماتها لم تخذلها قط، تلك الحروف التي طبعت قُبلة على شفاهها الوردية فابتسمتْ لها الكلمات، كم أتلهفُ لتلك اللحظة الفارقة التي يزهدُ فيها الوقت ويتوقف الزمن لحظات لأقول لها تمامًا كما يقول لها قلبي دومًا عند رؤيتها، سأحكي لها كيف تسللتُ خلسة إلى عينيها وكم عشقتهما. وهأنذا غرزتُ شتلتي الخضراء سريعًا، تلقفها مني طين الأرض بلونه الرمادي وملمسه الناعم الذي أعشقه، انتفضِتِ الأرضُ لدقات قلبي وكأنها تُحدثني وتقول:(أنت يا هذا استطعت أن تزرع آلاف الشتلات ولا تستطيع أن تزرع حُبَّها في قلبك عارٌ عليك)!! تحمستُ جدًّا وأغمضتُ عينيّ للحظة لأسمع صدى خطواتها يرنو من بعيد، سريعًا ما أصل إليها رغم أقدامي التي تغوص في الطين تُجاهد لتصل إلى الطريق، تهيأ لي الطين كطريقٍ مُمهَّد يسير، وما إن وصلتُ إليها حتى تعثرت قدماي بحجر أصلع، فقَدتُ على إثرها ثباتي، تلقفني الطين الناعم سريعًا كشتلاتي الخضراء، مسحتُ الطين عن عيني لأجدني أتوارى منها حتى لا تراني بهذه الحالة الرَّثَّة. تنهرني نفسي بقوة، وتقول: أتزرعُ ودًّا في أرضٍ ليست أرضك بأي وصفٍ تدنو منها؟! لا يحق لعينيك أن تراها، ولا لقلبك أن يخفق لها، ألا يعتريك الخجل؟! (وادخلوا البيوت من أبوابها).. تلك الآية التي استفاض في شرحها إمام الزاوية في بلدتنا، وأخذت قراري أن أثبت على موقفي في ابتعادٍ مؤقَّت، لأفرح بها كفرحة صائم حال فطره.
مازال شعاع الشمس يخفيني عنها! والسعادة التي أراها هالة تُحيط بها دومًا هي التي تُبقيني قيد الهدوء، أتناسى كل شقائي وذاك الجرح في يدي إثر حزّ بعض النباتات غير المرغوب بها في أرضي، جبهتي التي اعتادت قطرات العرق وسمائي التي تظلني بقطنها الزاهي، وكأنها لوحة أبدعها رسامها فبدت ثلاثية الأبعاد من فيض روعتها. قاطعت خلوتها وهي جالسة في ضوءٍ خافت أدنو منها علَّها تشعر بوجودي تبرق الدموع على وجنتيها، فتبرقُ عيني ألمًا، سمعت صوتًا يناديها بأمي! ولكن كيف؟! فنحن لم نُنجب بعد! كفكفت دموعها واستدارت لتبتسم له بحنان، أراقبهما بصمت.. عجبًا لأمر هذا الصغير الذي يحمل اسمي وعينيّ!
حتى أمسكتْ صورتي، وقالت:
- مرحبًا يا رفيق عمري، نسيتَني وما نسيتُك، ارتضيتُ بك رفيقًا وحبيبًا حتى آخر أنفاسي، كيف لهم يفهمون أن كل الرجال انقرضت حال مماتك؟! وكيف لهم يفهمون أني أشعر بك وبأنفاسك الرطبة تحوم حولي.. كيف لهم يفهمون أني مازلتُ أميرتك ولست أرملتك؟! تلك الطعنات الغادرات التي شقت صدرك العاري، ما زالت تُقطِّر دمًا من قلبي، أهدأت روحك واستكانت؟! صدق من قال "اتقِ شر الحليم إذا غضب".. التهمتك نيرانُ غضبك عندما أشعلت قلوب الغاضبين حولك، فأفقدتهم ثباتهم وصاروا كالثيران الهائجة، بركانًا لم يخمد إلا بانقضاء حياتك.ألم تثنك صرخاتي، ألم تسمع بكائي، بمن أحتمي الآن يا أروع أقداري، اختصرت أعوامي في عام واحد، أحيا بشعلة الذكرى حتى ألقاك. ذاك الثبات الذي أدَّعيه، لم يكن إلا رضًا وإيمانًا، وحتى لا تنهشني الذئاب الجائعة، لم يتبقَّ لي إلا ربيعك الذي يُزهر وسط الثلج الذي صنعته لهُ، حتى لا أفقده يومًا كما فقدتك! وتلك الصورة الجامدة على أمل أن تحيا يومًا بروحك! .