مساحة إعلانية
كتب- سيد طنطاوي:
قلمه كان دومًا وفيًا وصادقًا لأفكاره، فحبره سار على صراط ما يؤمن به، ولم يهتز يمينًا أو يسارًا، ونعم كلفه هذا الاعتدال كثيرًا حتى دفع الضريبة من حريته والابتعاد عن وطنه، ولكنه كان راضيًا وسعيدًا بما يفعل، إنه الكاتب الصحفي سليمان الحكيم.
تخرج "الحكيم" في كلية الآداب بجامعة القاهرة قسم الصحافة عام 1973، وعمل صحفيًا في العديد من الصحف، وكاتب رأي له قلم موجع في انتقاده، لكنه لم يُضبط يومًا متطاولًا على أحد.
أبدع الحكيم في الكتابة الصحفية، فكان مدرسة تدرس في الصياغة، وعُرف عنه أنه كان صاحب العنوان الصحفي الرشيق والبديع حينما يقرأه أهل المهنة يسألون السؤال المعتاد: "مين عمل العنوان ده؟ فتكون الإجابة المؤكدة سليمان الحكيم، فمن ينسى عناوين: "سكوت هنزور"، والبيت الأبيض ينفع في اليوم الأسود، إحنا آسفين يا حاتم، مصر سنة مؤكدة، والأغلبية المندسة.
تميزت مقالات الحكيم، بأنها لم تخش لومة قارئ أو كاتب، وتفردت بالانحياز لأفكار صاحبها، ولم يشرد قلبه يومًا عن عقله أو قلبه، وكانت صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" مدرسة في الكتابات القصيرة والعبارات قليلة الكلمات كثيرة المعاني، ودونها تحت هاشتاج "طق حنك".
عارض سياسيات الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، وكان شرسًا في رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني، وكذلك اتفاقية كامب ديفيد فتعرض للاعتقال.
كان الحكيم عضوًا بالمجلس الأعلى للصحافة وترأس تحرير جريدة الجيل، وصحفيًا بمجلة أكتوبر، وخلال وجوده بالعراق رفض شرط الانضمام لحزب البعث للعمل بإحدى الصحف العراقية، فتركها بناء على نصيحة الكاتب الكبير محمود السعدني، ومن هناك بدأت رحلته إلى سوريا.
في سوريا التقى الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان القوات المسلحة المصرية إبان حرب أكتوبر، وكان الحكيم ممثلا للفريق الشاذلي في سوريا حين شكّل «الجبهة الوطنية المصرية» لمعارضة الرئيس الراحل أنور السادات بعد توقيعه اتفاقية «كامب ديفيد»، وهناك أسس إذاعة صوت «مصر العربية» من دمشق وهي إذاعة موجهة إلى الداخل في مصر لمعارضة كامب ديفيد والعلاقات مع إسرائيل، وظلّ في دمشق لاجئا سياسيا إلى أن تم اغتيال السادات فعاد إلى مصر بعفو رئاسي أصدره الرئيس الأسبق حسني مبارك فور تولّيه الحكم.
واستمر الحكيم معارضًا للسياسات نفسها فتعرض للاعتقال في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.
معارضته للصهاينة لم تعرف حدًا، إذ كان ثائرًا على أنيس منصور، وقتما كان الحكيم مدير تحرير في مجلة أكتوبر، نظرًا لاعتراضه على الزيارات التي قام بها سياسيون وصحفيون إسرائيليون لأنيس منصور في المجلة.
آمن بناصريته، وهاجم مدعي الناصرية بضراوة، إذ كان يراهم متكسبين من انتسابهم للرئيس الأسبق جمال عبدالناصر، وقال إنهم أخطر على فكر عبدالناصر والناصرية أكثر من أعداء ناصر أنفسهم.
له مؤلفات تتحدث عنه، تشرح فكره، وتعطي رسالة مفاده: كيف تعيش مخلصًا لأفكارك وتعبر عنها.
ومن قائمة مؤلفاته الطويلة: اعترافات شيخ الشيوعيين محمود أمين العالم، عبدالناصر والإسلام، تحية كاريوكا بين الرقص والسياسة، وعبدالناصر والإخوان.
في مثل هذا اليوم 5 أكتوبر 2019، أي منذ 4 سنوات رحل الحكيم عن عالمنا، مخلصًا لأفكاره وقناعاته، وظل حتى يومه الأخير رفضًا التقرب لكل صاحب سلطة أو جاه.
فاكرينك يا "الحكيم".